ويستحسنه، ويسمى أصحابه أرباب أحوال، وأى حال اقبح وأشد من حال من يخالف الشرع ويرى المصلحة في النهي عنه، وكيف يجوز أن يطلب صلاح القلوب بفعل المعاصي. وقد عدم في الشريعة ما يصلح به قلبه حتى يستعمل ما لا يحل فيها، وهذا من جنس ما تفعله الأمراء الجهلة من قطع من لا يجب قطعه وقتل من لا يجوز قتله، ويسمونه سياسة، ومضمون ذلك أن الشريعة ما تفي بالسياسة. وكيف يحل للمسلم أن يعرض نفسه لأن يقال عنه: سارق، وهل يجوز أن يقصد وهن (١) دينه ومحو ذلك عند شهداء الله في الأرض، ولو أن رجلا وقف مع امرأته في طريق يكلمها ويلمسها ليقول عنه من لا يعلم: هذا فاسق لكان عاصيا بذلك. ثم كيف يجوز التصرف في مال الغير بغير إذنه. ثم في نص مذهب أحمد والشافعي أن من سرق من الحمام ثيابا عليها حافظ (٢) وجب قطع يده، ثم من أرباب الأحوال حتى يعملوا بواقعاتهم، كلا والله إن لنا شريعة لو رام أبو بكر الصديق أن يخرج عنها إلى العمل برأيه لم يقبل منه. فعجبي من هذا الفقيه المستلب عن الفقه بالتصوف أكثر من تعجبي من هذا المستلب الثياب.
أخبرنا أبو بكر بن حبيب، نا أبو سعد بن أبي صادق، نا ابن باكويه، قال: سمعت محمد بن أحمد النجار يقول: كان على بن بابويه من الصوفية فاشترى يوما من الأيام قطعة لحم، فأحب أن يحمله إلى البيت، فاستحيا من أهل السوق فعلق اللحم في عنقه وحمله إلى بيته.
قلت: واعجبا من قوم طالبوا أنفسهم بمحو أثر الطبع، وذلك أمر لا يمكن ولا هو مراد الشرع. وقد ركز في الطباع إن الإنسان لا يحب أن يرى الا متجملا فى ثيابه وانه يستحى من العري وكشف (٣) الرأس، والشرع لا ينكر عليه هذا. وما فعله هذا الرجل من الإهانة لنفسه بين الناس أمر قبيح في الشرع والعقل، فهو إسقاط مروءة لا رياضة كما لو حمل نعليه على رأسه (٤).
(١) اي اضعاف. (٢) يحفظها من الضياع. (٣) كان كشف الرأس مستهجنا في الماضي. (٤) بل لقد سمعت عن أحد الوعاظ في المساجد انه حدث الناس عن شخص كان يحمل حذاء شيخه كلما خلعه، فلما حدثته نفسه بترك ذلك صار يربط حذاء الشيخ بلحيته تأديبا لنفسه كما زعم.