للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

ليس للمؤمن أن يذل نفسه (١)». ولقد فاتت الجمعة حذيفة فلقى الناس راجعين فاستتر لئلا يرى بعين النقص فى قصد الصلاة. وهل طالب الشرع أحدا بمحو أثر النفس، وقد قال : «من أتى شيئا من هذه القاذورات فليستتر بستر الله (٢)». كل هذا للإبقاء على جاه النفس. ولو أمر بهلول الصبيان أن يصفعوه لكان قبيحا، فنعوذ بالله من هذه العقول الناقصة التي تطالب المبتدئ بما لا يرضاه الشرع فينفر.

وقد حكى أبو حامد الغزالي في كتاب «الأحياء» عن يحيى بن معاذ انه قال: قلت لاب زد: هل سألت الله تعالى المعرفة؟ فقال: عزت عليه (٣) أن يعرفها سواه، فقلت: هذا إقرار بالجهل فإن كان يشير إلى معرفة الله تعالى في الجملة وأنه موجود وموصوف بصفات، وهذا لا يسمع أحدا من المسلمين جهله، وان تخايل له أن معرفته هي اطلاع على حقيقة ذاته وكنهها فهذا جهل به.

وحكى أبو حامد: أن أبا تراب النخشبي قال لمريد له: لو رأيت أبا يزيد مرة واحدة كان أنفع لك من رؤية الله سبعين مرة قلت: وهذا فوق الجنون بدرجات.

وحكى أبو حامد الغزالي عن ابن الكريتى أنه قال: نزلت في محلة فعرفت فيها بالصلاح، فنشب (٤) في قلبي، فدخلت الحمام وعينت على ثياب فاخرة فسرقتها ولبستها، ثم لبست مرقعتي وخرجت فجعلت أمشي قليلا قليلا، فلحقوني فنزعوا مرقعتى وأخذوا الثياب وصفعون فصرت بعد ذلك أعرف بلص الحمام، فسكنت نفسى. قال ابو حامد: فهكذا كانوا يروضون أنفسهم حتى يخلصهم الله من النظر إلى الخلق، ثم من النظر إلى النفس. وأرباب الأحوال ربما عالجوا أنفسهم بما لا يفتي به الفقيه مهما رأوا صلاح قلوبهم، ثم يتداركون ما فرط منهم من صورة التقصير، كما فعل هذا في الحمام.

قلت: سبحان من أخرج أبا حامد من دائرة الفقه بتصنيفه كتاب «الأحياء» فليته لم يحك فيه مثل هذا الذي لا يحل. والعجب منه انه يحكيه


(١) لم اقف على اسناده. وقد روى القضاعي عن معاذ بن جبل مرفوعا: «ليس من خلق المؤمن الملق» وهو حديث ضعيف كما في «كشف الخفاء». والملق أن يقول باللسان ما ليس بالقلب.
(٢) رواه مالك في «الموطأ» عن زيد بن أسلم مرسلا.
(٣) عز علي ان تفعل كذا: أي اشتد وصعب.
(٤) أي وقع.

<<  <   >  >>