قال المصنف ﵀: قد سبق القول بأن العلم نور، وأن إبليس يحسن للإنسان إطفاء النور ليتمكن منه في الظلمة، ولا ظلمة كظلمة الجهل. ولما خاف إبليس أن يعاود هؤلاء مطالعة الكتب فربما استدلوا بذلك على مكايده حسن لهم دفن الكتب وإتلافها، وهذا فعل قبيح محظور وجهل بالمقصود بالكتب، وبيان هذا أن أصل العلوم القرآن والسنة، فلما علم الشرع أن حفظهما يصعب أمر بكتابة المصحف وكتابة الحديث.
فأما القرآن فإن رسول الله ﷺ كان إذا نزلت عليه آية دعى بالكاتب فأثبتها، وكانوا يكتبونها في العسب (١) والحجارة وعظام الكتف ثم جمع القرآن بعده فى المصحف أبو بكر صونا عليه، ثم نسخ من ذلك عثمان بن عفان ﵁ وبقية الصحابة، وكل ذلك لحفظ القرآن لئلا يشذ (٢) منه شيء.
وأما السنة فإن النبي ﷺ قصر الناس في بداية الإسلام على القرآن، وقال:«لا تكتبوا عني سوى القرآن»(٣)، فلما كثرت الأحاديث ورأى قلة ضبطهم أذن لهم في الكتابة.
فروي عن أبي هريرة ﵁ انه شكا إلى رسول الله ﷺ قلة الحفظ فقال:«ابسط رداءك» فبسط رداءه وحدثه النبي ﵊ وقال: «ضمه إليك»، فقال أبو هريرة: فلم أنس بعد ذلك شيئا بما حدثنيه رسول الله ﷺ(٤). وفي رواية أنه قال:«استعن على حفظك بيمينك» يعني بالكتابة (٥). وروى
(١) العسيب: جريدة من النخل كشط خوصها. والجمع عسب وعسبان. (٢) أي يضيع ويختلف فيه. (٣) رواه مسلم عن أبي سعيد الخدري ولفظه: «لا تكتبوا عني ومن كتب عني غير القرآن فليمحه وحدثوا عني ولا حرج، ومن كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار». (٤) رواه الشيخان والترمذي ولفظه: «قلت: يا رسول الله، أسمع منك أشياء فلا أحفظها، فقال. ابسط رداءك فبسطته فحدثني حديثا كثيرا فما نسيت شيئا حدثني به». (٥) رواه الترمذي عن أبي هريرة قال: شكا رجل إلى النبي ﷺ سوء الحفظ فقال: «استعن بيمينك على حفظك». قال الترمذي اسناده ليس بالقائم، ثم نقل عن البخاري انه الخليل بن مرة - اي راويه. منكر الحديث مع انه اختلف عليه فيه ا. هـ. وعن الذهبي في «الميزان» هذا الخبر من المتاكير، لكن له شواهد منها ما سيذكره المصنف.