للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
رقم الحديث / الرقم المسلسل:

وفيه دلالة على أن بعثة الأنبياء على النَّاس ضرورةٌ لقصور الكلِّ عن إدراك جزئيات المصالح، والأكثر عن إدراك كليَّاتها.

﴿وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا﴾ [النساء: ١٦٥] غالبًا على أمره لا يُغلَب فيما يريده، ﴿حَكِيمًا﴾ [النساء: ١٦٥] فيما دبَّر من أمر النبوَّة. وخصَّ كلَّ نبيٍّ بنوع من الوحي والإعجاز، ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ١٦٦].

[لما وقع الجواب لأهل الكتاب عن سؤالهم رسولَ الله أن ينزل عليهم كتابًا من السماء، والاحتجاج عليهم بأنه ليس بدعًا من الرُّسل، وإنما شأنه في حقيقة الإرسال وأصل الوحي كشأن سائر مشاهير الأنبياء الَّذين لا ريبَ لأحدٍ في نبوَّتهم.

وتعدُّد الرُّسل والكتب واختلافها في كيفية النُّزول، وتغايرها في بعض الشرائع والأحكام إنما هو لتفاوت طبقات الأمم في الأحوال الَّتي عليها يدور ذلك التَّكليف، ولاقتضاء (١) أحوالهم المتخالفة، واستعداداتهم المتغايرة من الشرائع والأحكام، حَسْبَما تقتضيه الحكمة التَّكوينية وتستدعيه الحكمة التَّشريعية، فسؤال تنزيل الكتاب جُمْلة اقتراحٌ فاسدٌ، كأنهم تعنَّتوا بما سبق من السؤال، وقالوا: ما نشهد لك بهذا فنزل: ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ﴾ [النساء: ١٦٦] من القرآن المعجِز الدَّال على نُبوَّتك، أنزله متلبِّسًا بعلمه الخاص به، وهو العلم بتأليفه على نَظْم يعجَز عنه كلُّ بليغ، أو بحال من يستعدَّ للنبوَّة ويستأهل نزول الكتاب عليه، أو بعلمه الذي يحتاج إليه الناس في معاشهم ومعادهم، ويشهد الملائكة بنبوَّتك أيضًا.


(١) ض: والاقتضاء.

<<  <  ج: ص:  >  >>