للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
رقم الحديث / الرقم المسلسل:

فعرف أنَّ ما يكون في زماننا ليس بفتوى، بل هو نقل كلام المفتي ليأخذه المستفتي، وطريق نقله كذلك عن المجتهد أحد أمرين: إما أن يكون له سند فيه إليه، أو يأخذه من كتاب تداولته الأيدي، نحو كتب محمَّد بن الحسن ونحوها من التَّصانيف المشهورة للمجتهدين؛ لأنّه بمنزلة الخبر المتواتر عنهم والمشهور.

فعلى هذا لو وجد في بعض نسخ النوادر في زماننا لا يحلُّ عَزْو ما فيها إلى محمَّد ولا إلى أبي يوسف؛ لأنها لم تشتهر في ديارنا ولم تتداول.

نعم إذا وجد النَّقل عن النوادر مثلًا في كتاب مشهور كـ "الهداية" و"المبسوط" كان ذلك تعويلًا على ذلك الكتاب، فلو كان حافظًا للأقاويل المختلفة للمجتهدين، ولا يعرف الحجَّة ولا قدرة له على الاجتهاد للترجيح لا يقطع بقولٍ منها مفتٍ، بل يحكيها للمستفتي، فيختار المستفتي ما يقع في قلبه أنَّه الأصوب، ذكره في بعض الجوامع، وعندي أنَّه لا يجب عليه حكاية كلِّها، بل يكفيه أن يحكي قولًا منها، فإنَّ المقلد له أن يقلِّد أيِّ مجتهد شاء، فإذا ذكر أحدها فقلَّده حصل المقصود.

نعم لو حكى الكل فالأخذ بما يقع في قلبه أنَّه الأصوب أولى، وإلا فالعامي لا عبرة بما في قلبه من صواب الحكم وخطئه. إلى هنا من "فتح القدير".

وفي "الفتاوى الظَّهِيْرِيَّة": قال محمَّد بن شجاع حكاية عن إبراهيم الجرَّاح، وهو من كبار أصحاب عطاء بن أبي رباح، وهو مخصوص بعلم المناسك، تلميذ عبد الله ابن عباس قال: دخلت على أبي يوسف فوجدته مغمًى عليه، ففتح عينيه فرآني، فقال: يا إبراهيم، أيّما أفضل للحاج أن يرمي راجلًا أم راكبًا؟ فقلت: راجلًا فخطَّأني، فقلْتُ: راكبًا فخطَّأني، ثم قال لي: ما كان يوقف عندها فالأفضل أن يرميها راجلًا، وما لا يوقف عندها فالأفضل أن يرميها راكبًا، فخرجت من عنده فما بلغت الباب حتى سمعت صراخ النساء عليه أنّه قد توفي إلى رحمة الله تعالى، فلو كان شيء أفضل من

<<  <  ج: ص:  >  >>