الاستِثناءِ عليهِ؛ لأنه لا مَجالَ له في رَفعِ ما قد وقَعَ ووجَبَ على ما بيَّنَّا، ولأنه مَعنًى يَرفعُ حُكمَ اليَمينِ، فلم يَكنْ لهُ تَأثيرٌ في رَفعِ الطلاقِ كالكفَّارةِ، ولأنه أضعَفُ مِنْ الكفَّارةِ؛ لأنَّ كلَّ يَمينٍ دخَلَها الاستِثناءُ صحَّ أنْ تَدخلَها الكفَّارةُ، وقد تَدخلُ الكفَّارةُ فيما لا يَدخلُه الاستثناءُ، ولأنه استِثناءٌ وقَعَ جَميعُه في الحالِ والمآلِ كقَولِه:«أنتِ طالقٌ ثلاثًا إلا ثَلاثًا».
ودَليلُنا على أنَّ اشتِراطَه لا يُؤثِّرُ أنه لا يَخلو مِنْ أحَدِ أمرَينِ: إمَّا أنْ يَكونَ لنا طَريقٌ إلى العِلمِ بوُقوعِه، أو لا طريقَ لنا إلى العِلمِ به، فإنْ كانَ لنا طريقٌ إلى العِلمِ به فيَجبُ وُقوفُ الحُكمِ على وُجودِه، ومِن قَولِهم أنه لا يَقفُ أصلًا، بل نَقطعُ على انتِفاءِ حُكمِ اللفظِ مِنْ غيرِ تَثبيتٍ ولا تَرقُّبٍ، فإنَّ اللفظَ كأنه لم يَكنْ، ولأنَّ الاعتبارَ في حَصولُ مَشيئةِ اللهِ ﷿ في أفعالِ عِبادِه ووُقوعِها؛ لأنَّ ما شاءَه مِنها كانَ، وما لم يَشأْهُ لم يَكنْ.
وإنْ كانَ لا طريقَ لنا إلى العِلمِ بوُقوعِه وجَبَ تَنجُّزُ الطلاقِ؛ لأنَّ تَعليقَ الطلاقِ بما لا يُعلَمُ وُقوعُه مِنْ الشُّروطِ هَزلٌ، كقولِه:«أنتِ طالقٌ إنْ كانَ اللهُ تعالَى خلَقَ اليومَ في السماءِ الرابعةِ ملَكًا بألفِ جَناحٍ، أو في قَعرِ بَحرِ القلزمِ حَوتًا طُولُه ألفُ ذِراعٍ» أو ما أشبَهَ ذلكَ مِنْ الهَزلِ (١).
وقالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: فإنْ قالَ: «أنتِ طالقٌ إنْ شاءَ اللهُ تعالَى» طَلُقتْ، وكذلك إنْ قالَ:«عَبدِي حُرٌّ إنْ شاءَ اللهُ تعالَى» عُتِقَ، نصَّ عليه أحمدُ في رِوايةٍ
(١) «الإشراف على نكت مسائل الخلاف» (٣/ ٤٣٤، ٤٣٦)، رقم (١٢٥١).