وَالْعَدَدِ وَالسّلَاحِ: وَإِنّهُمْ لَأَحْلَاسُ [ (١) ] الْخَيْلِ، وَرِجَالُ الْحَرْبِ، وَرُعَاةُ الْحَدَقِ [ (٢) ] . فَقَالَ الْعَبّاسُ بْنُ مِرْدَاسٍ: أَقْصِرْ أَيّهَا الرّجُلُ! وَاَللهِ إنّك لَتَعْلَمُ لَنَحْنُ أَفْرَسُ عَلَى مُتُونِ الْخَيْلِ، وَأَطْعَنُ بِالْقَنَا، وَأَضْرَبُ بِالْمَشْرَفِيّةِ [ (٣) ] مِنْك وَمِنْ قَوْمِك. فَقَالَ عُيَيْنَةُ: كَذَبْت وَلَؤُمْت [ (٤) ] ! لَنَحْنُ أَوْلَى بِمَا ذَكَرْت مِنْك، قَدْ عَرَفَتْهُ لَنَا الْعَرَبُ قَاطِبَةً. فَأَوْمَأَ إلَيْهِمَا النّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِيَدِهِ حَتّى سَكَتَا.
وَاجْتَمَعَ الْمُسْلِمُونَ بِمَرّ الظّهْرَانِ، وَلَمْ يَبْلُغْ قُرَيْشًا حَرْفٌ وَاحِدٌ مِنْ مَسِيرِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَيْهِمْ، فَقَدْ اغْتَمّوا وَهُمْ يَخَافُونَ يَغْزُوَهُمْ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. فَلَمّا نَزَلَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرّ الظّهْرَانِ عِشَاءً، أَمَرَ أَصْحَابَهُ أَنْ يُوقِدُوا النّيرَانَ، فَأَوْقَدُوا عَشَرَةَ آلَافِ نَارٍ، فَأَجْمَعَتْ قُرَيْشٌ بَعْثَةَ أَبِي سُفْيَانَ بْنِ حَرْبٍ يَتَحَسّبُ الْأَخْبَارَ، وَقَالُوا: إنْ لَقِيت مُحَمّدًا فَخُذْ لَنَا مِنْهُ جِوَارًا إلّا أَنْ تَرَى رِقّةً مِنْ أَصْحَابِهِ فَآذِنْهُ [ (٥) ] بِالْحَرْبِ.
فَخَرَجَ أَبُو سُفْيَانَ وَحَكِيمُ بْنُ حِزَامٍ، فَلَقِيَا بُدَيْلَ بْنَ وَرْقَاءَ فَاسْتَتْبَعَاهُ فَخَرَجَ مَعَهُمَا، فَلَمّا بَلَغُوا الْأَرَاكَ مِنْ مَرّ الظّهْرَانِ رَأَوْا الْأَبْنِيَةَ وَالْعَسْكَرَ وَالنّيرَانَ، وَسَمِعُوا صَهِيلَ الْخَيْلِ وَرُغَاءَ الْإِبِلِ، فَأَفْزَعَهُمْ ذَلِكَ فَزَعًا شَدِيدًا وَقَالُوا: هَؤُلَاءِ بَنُو كَعْبٍ حَاشَتْهَا [ (٦) ] الْحَرْبُ! فَقَالَ بُدَيْلٌ: هَؤُلَاءِ أَكْثَرُ مِنْ بَنِي كَعْبٍ! قَالُوا:
فَتَنَجّعَتْ [ (٧) ] هَوَازِنُ عَلَى أَرْضِنَا! وَاَللهِ مَا نَعْرِفُ هَذَا! إنّ هَذَا الْعَسْكَرَ مِثْلُ حَاجّ النّاسِ!
[ (١) ] الأحلاس: جمع حلس، وهو الكساء الذي يلي ظهر البعير تحت القتب. (النهاية، ج ١، ص ٢٤٩) . ويريد: لزومهم لظهور الخيل.[ (٢) ] الحدق: جمع حدقة وهي سواد العين. (الصحاح، ص ١٤٥٦) . والمعنى هنا: أنهم يصيبون العين إذا رموا.[ (٣) ] السيوف المشرفية: تنسب إلى مشارف الشام. (القاموس المحيط، ج ٣، ص ١٥٨) .[ (٤) ] فى الأصل: «فلمت» .[ (٥) ] فى الأصل: «فيؤذونه» .[ (٦) ] فى الأصل: «جاشتها» . وحاشتها الحرب: جمعتها وساقتها. (الصحاح، ص ١٠٠٣) .[ (٧) ] التنجع والانتجاع والنجعة: طلب الكلأ ومساقط الغيث. (النهاية، ج ٤، ص ١٣٨) .
مشروع مجاني يهدف لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
لدعم المشروع: https://mail.shamela.ws/page/contribute