وبقي جعفر أربعين يومًا، فجمع له الشّيخ بدران النَّاسَ لإفطاره، فلمّا وَضَعَ المائدة قام جعفر وقال: اعْفِني من الطَّعام فما بي جوع. وصَعِد إلى الغُرفة أيضًا عشرة أيّامٍ، ثمّ شكا الجوع فجمع النّاس لإفطاره، ثمّ قال: من أين علمت أنّك لم تكن جائعًا في الأوّل؟
قال: لأنّي لمّا رأيت الخُبز الحواريّ والخُشْكار على الخِوان فكنت أفرّق بينهما، فلو كان بِيَ جُوعٌ لَمَا ميّزتُ بين الطّعامين.
قال أبو طالب: فذكرت هذه الحكاية لجعفر، فكان يُلبّس عليَّ أمرَها ويضرب الحديث بعضه بعض إلى أن تحقّقت صدَق الحكاية في تضاعيف كلامه.
قال شِيرُوَيْه: وسمعت محمد بن الحسين يقول: سمعت جعفر يَقُولُ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- في المنام تسع عشرة مرّة في مسجدي هذا، فكان يوصيني كلَّ مرة بوصية، فقال لي في المرة الأولى: يا جعفر، لا تكن رأس، أبي لا تمش قُدّام النّاس.
سمعتُ أبا يعقوب الورّاق: سمعتُ عبد الغفّار بن عُبَيْد الله الإمام يقول: قال جعفر الأَبْهَريّ: كان شيخ لنا بأَبْهَر يقرأ شيئًا على كلّ مريض فيبرأ، فإذا سأله النّاس عنه لم يخبرهم. فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فِي النوم فقال: أنّ الذي يقرؤه شيخك على النّاس: {وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ}[إبراهيم: ١٢] إلى آخر الآية. فأخبرتُ شيخي بذلك فقال: مُرْ، فإنّك أهلٌ لذلك. تُوُفّي فِي شوّال عن ثمانٍ وسبعين سنة، وقبره يُزار ويُبجَّل غاية التَّبجيل.
"حرف الحاء":
٢٦٠- الحسن بن شهاب بن الحسن بن عليّ١.
أبو عليّ العُكْبَريّ الحنبليّ.
شيخٌ معمَّر جليل القدر. ولد سنة خمس وثلاثين وثلاثمائة، وطلب الحديث وهو كبير.
فسمع من: أبي عليّ بْنُ الصّوّاف، وأبي بكر بن خلّاد، وأحمد بن جعفر القَطِيعيّ، وحبيب القزّاز، فمن بعدهم.
١ تاريخ بغداد "٧/ ٣٢٩، ٣٣٠"، طبقات الحنابلة "٢/ ١٨٦-٨٨"، سير أعلام النبلاء "١٧/ ٥٤٢، ٥٤٣".