للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

ولمّا بلغه أن أبا بَكْر بْن أَبِي دَاوُد تكلّم في حديث غدير خُمّ. حمل كتاب الفضائل فبدأ بفضل الخلفاء الراشدين، وتكلّم عَلَى تصحيح حديث غدير خمّ، واحتجّ لتصحيحه١.

حكى التّنُوخيّ، عَنْ عثمان بْن محمد السُّلَميّ: حدثني ابن منجو القائد قَالَ: حدَّثني غلامٌ لابن المزوّق قَالَ: اشترى مولاي لي جاريةً وزوجنيها، فأحببتها وأبغضتني، وكانت تنافرني دائما إلى أن أضجرتني، فقلت لها: انتِ طالقٌ ثلاثًا، لَا خاطبتني بشيء إلّا قلتُ لكِ مثله، فكم أحتملك.

فقالت في الحال: انتَ طالقٌ ثلاثًا.

قَالَ: فأُبْلِسْتُ وحِرْتُ. فَدُلِلْتُ عَلَى محمد بن جرير فقال: أقِمْ معها بعد أنّ تَقُولُ لها: أنت طالقٌ ثلاثًا إنّ طلقتك.

قَالَ ابن عقيل: وله جوابٌ آخر أنّ يَقُول كقولها: أنتَ طالقٌ ثلاثًا، بفتح التّاء، فلا يحنث.

وقال ابن الجوزيّ: وأيضًا فما كَانَ يلزمه أنّ يَقُولُ لها ذَلِكَ عَلَى الفور، فكان لَهُ أنّ يتمادى إلى قبل الموت٢.

قلتُ: ولو قَالَ لها: أنتِ طالقٌ ثلاثًا، وعني بالاستفهام، لم تطلق.

ولو قَالَ: طالقٌ ثلاثًا، ونوى بهِ الطلق لَا الطّلاق لم تطلق أيضًا في الباطن.

وجوابٌ آخر عَلَى قاعدة من يراعي سبب اليمين ونية الحالف أنّه لَيْسَ عَلَيْهِ أنّ يَقُولُ لها كقولها، فإنّ نيّته كانت إذا آذته بكلام أنّ يَقُولُ لها ما يؤذيها، وهذه ما كانت تتأذى بالطلاق؛ لأنها ناشزة مضاجرة؛ ولأنّ الحالف عنده هذه الكلمة مستثناه بقرينة الحال من عموم إطلاقه، كقوله تعالى: {وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ} [النمل: ٢٣] ، {تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ} [الأحقاف: ٢٥] فخرج من العموم أشياء بالضرورة، وهذا فصيح في كلام العرب سائغ؛ لأنّ الحالف لم يرده، ولا قصد إدخاله في العموم أصلًا، كما لم يقصد إدخال كلمة الكفر لو كفرت فقالت لَهُ: أنت ولد اللَّه تعالى اللَّه، أو سبّت الأنبياء٣.


١ وفي السير "١١/ ٢٩٥"، "واحتج لتصحيحه ولم يتم الكتاب".
٢ سير أعلام النبلاء "١١/ ٢٩٨".
٣ وفي السير "١١/ ٢٩٩"، قال: ". . . أو سبت الأنبياء فلم يجاوبها بمثل ذلك لأحسن. . . ".