فعلى الأوَّل المراد بالإنزالِ التَّقدير، وعلى الثَّاني إنزالُ علم ذلك على لسان الملكِ للنَّبيِّ مثلًا أو إلهامٌ بغيرهِ. ولأحمد والبخاريِّ في «الأدب المفرد» وصحَّحهُ التِّرمذيُّ، وابن خزيمة، والحاكمُ من حديث أسامةَ بن شريكٍ:«تداووا يا عبادَ الله، فإنَّ الله لم يضع داءً إلَّا وضعَ له شفاءً، إلَّا داءً واحدًا الهرَم» وفي لفظٍ: «إلَّا السَّام» بمهملة مخفَّفًا (١)؛ يعني الموت، وزادَ النَّسائيُّ من حديث ابنِ مسعودٍ:«فتداوَوا» ولمسلمٍ من حديثِ جابر رفعه: «لكلِّ داءٍ دواء، فإذا أُصيبَ دواءُ الدَّاءِ برأ بإذنِ الله». ومفهومه: أنَّ الدَّواء إذا جاوز الحدَّ في الكيفيَّة أو الكميَّة لا ينجعُ، بل ربَّما أحدث داءً آخرَ، ولأبي داود عن البراءِ رفعهُ:«ولا تتداووا بحرامٍ» الحديثُ، فلا يجوزُ التَّداوي بالحرام، وزادَ في روايةِ أبي (٢) عبد الرَّحمن السُّلميِّ عن ابن مسعودٍ عند النَّسائيِّ، وصحَّحه ابنُ حبَّان والحاكمُ في آخرهِ:«عَلِمَه من عَلِمَه، وجَهِلَه من جَهِلَه». وفيه أنَّ بعضَ الأدويةِ لا يعلمُها كلُّ أحدٍ، وفيه أنَّ التَّداوي لا ينافي التَّوكُّل لمن (٣) اعتقد أنَّها تبرئُ بإذن الله تعالى، وبتقديرهِ لا بذاتها، وأنَّ الدَّواء قد ينقلبُ داءً إذا أرادَ الله ذلك، كما أشارَ إليه في حديثِ جابر بقولِهِ:«بإذن الله».
والحديثُ أخرجه النَّسائيُّ في «الطِّبِّ» وابنُ ماجه فيه أيضًا.
(٢) هذا (بابٌ) بالتَّنوين: (هَلْ يُدَاوِي الرَّجُلُ المَرْأَةَ، والمَرْأَةُ الرَّجُلَ؟).