وَلَا مِنْ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ، وَيَتَبَرَّءُونَ مِنْ طَرِيقَةِ الروافض والنواصب جميعا، ويتولون السابقين الأولين كُلَّهُمْ، وَيَعْرِفُونَ قَدْرَ الصَّحَابَةِ، وَفَضْلَهُمْ، وَمَنَاقِبَهُمْ، وَيَرْعَوْنَ حُقُوقَ أَهْلِ الْبَيْتِ الَّتِي شَرَعَهَا اللَّهُ لَهُمْ، ولا يرضون بما فعله المختار ونحو من الكذابين، ولا ما فعل الْحَجَّاجُ وَنَحْوُهُ مِنَ الظَّالِمِينَ.
وَيَعْلَمُونَ مَعَ هَذَا مَرَاتِبَ السَّابِقِينَ الْأَوَّلِينَ، فَيَعْلَمُونَ أَنَّ لِأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ مِنَ التَّقَدُّمِ وَالْفَضَائِلِ مَا لَمْ يُشَارِكْهُمَا فيهما أَحَدٌ، مِنَ الصَّحَابَةِ لَا عُثْمَانُ وَلَا عَلِيٌّ ولا غيرهما، وَهَذَا كَانَ مُتَّفَقًا عَلَيْهِ فِي الصَّدْرِ الْأَوَّلِ، إلا أن يكون خلاف شاذ لَا يُعْبَأُ بِهِ.
حَتَّى أَنَّ الشِّيعَةَ الْأُولَى أَصْحَابَ عَلِيٍّ لَمْ يَكُونُوا يَرْتَابُونَ فِي تَقْدِيمِ أبي بكر وعمر عليه، فكيف وقد ثبت عنه مِنْ وُجُوهٍ مُتَوَاتِرَةٍ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: خَيْرُ هَذِهِ الْأُمَّةِ بَعْدَ نَبِيِّهَا أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ، ولكن كان طائفة من شيعة علي، تُقَدِّمُهُ عَلَى عُثْمَانَ، وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ أَخْفَى مِنْ تلك، ولهذا كان أئمة أهل السنة متفقين على تقديم أبي بكر وعمر كما في مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيِّ، وَمَالِكٍ، وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، وَالثَّوْرِيِّ، وَالْأَوْزَاعِيِّ، وَاللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ، وَسَائِرِ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ، مِنْ أَهْلِ الْفِقْهِ وَالْحَدِيثِ وَالزُّهْدِ وَالتَّفْسِيرِ مِنَ الْمُتَقَدِّمِينَ وَالْمُتَأَخِّرِينَ.