عليهم، والرطوبةُ الفَضْليَّة فيهم؛ لأنه ليس من الحرارة هناك ما يُنَشِّفُها ويُنْضِجُها، فلذلك صارت ألوانُهم بيضاء، وشُعورهم سَبِطَةً (١) شقراء، وأبدانُهم رَخْصَة (٢)، وطبائعُهم مائلةً إلى البرودة، وأذهانُهم جامدة (٣).
وكلُّ واحدٍ من هذين الطرفين (٤) ــ وهما الإقليمُ الأولُ والسابع ــ يقلُّ فيه العمران، وينقطعُ بعضُه عن بعض؛ لأجل غلبة اليُبس (٥)، ثمَّ لا تزالُ العمارةُ تزدادُ في الإقليم الثاني والسادس [والثالث] والخامس، ويقلُّ الخرابُ فيها.
وأمَّا الإقليمُ الرابعُ فإنه أكثرُ الأقاليم عِمارة، وأقلُّها خرابًا؛ لفضل (٦) الوسط على الأطراف، بسبب اعتدال المزاج.
ــ وهو الذي انتشرت فيه دعوةُ الإسلام، وضَرَبَ الدِّينُ بجِرانِه فيه (٧) وظهرَ فيه أعظمَ من ظهوره في سائر الأقاليم.
ولهذا قال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «زُوِيَت لي الأرضُ، فرأيتُ مشارقَها ومغاربها، وسيبلغُ مُلكُ أمتي ما زُوِيَ لي منها»(٨)، فمكان انتشار (٩) دعوته - صلى الله عليه وسلم -
(١) مسترسلةٌ غير جعدة. «اللسان» (سبط). (٢) ناعمة لينة. «اللسان» (رخص). (٣) «السر المكتوم» بدل الجملة الأخيرة: «وأخلاقهم وحشية». (٤) «السر المكتوم»: «الطريقين». (٥) «السر المكتوم»: «لغلبة الكيفيتين الفاعلتين». (٦) في الأصول: «بالفصل». وهو تحريف. وعلى الصواب في «السر المكتوم». (٧) استقام وقرَّ قراره. «اللسان» (جرن). (٨) أخرجه مسلم (٢٨٨٩) من حديث ثوبان. (٩) (ط): «فكان انتشار».