والثَّاني -ويحكى عن اختيار القَفَّالِ-: أنه لاَ يلزم؛ لأن المَاشِي عَلَى خَطَرٍ، وفي بذل المَالِ في أجرته تَغْرِيرٌ به، ولو طلب الأَجِيرُ أكثرَ مِنْ أُجْرَةِ المثل لم يلزم الاستئجار، وإن رَضِيَ بأقل منها لَزِمَه، وإذا امتنع من الاستئجار فهل يستأجر عليه الحاكم؟ فيه وجهان:
أشبههما: أنه لا يستأجر، وقوله في الكتاب:(من المكلف الحُر) كالمستغنى عنه في هذا المَوْضِع؛ لأنه قد سَبَقَ بَيَانُ اشْتِرَاط التَّكليف والحُرِّيَةِ فِي وجُوب الحَجِّ، وكلامنا الآن في شَرْطِ الاسْتِطَاعَة، وإذا كُنَّا فِي ذكر أَحَدِ شروط الشَّيْءِ لم نَحتج إلى التَّعرض فيه لِسَائِرِ الشّروط وإلا لا نجر بنا الأمر إلى ذِكرِ كُلِّ شَرْطٍ في كُلِّ شرط -والله أعلم-.
لنا أن وجوب الحَجِّ مُعَلَّقٌ في نَصِّ القرآن بوجود الاستطاعة، وإنَّهَا تارة تكون بالنَّفْس، وتارة بالأعوان والأنْصَار، ألا ترى أنه يصدق ممن لا يحسن البناء أن يقول: أنا مُسْتَطِيعٌ لبناء دَارٍ إذا تمكن منه بالأسباب والأعوان.
إذا تقرر ذلك فيشترط فيه أن لا يكون المُطِيعُ ضرورة ولا معضوباً وأن يكون
(١) قال النووي: حكى السرخسي في "الأمالي" وجهاً واهياً أنه لا يلزمه. ينظر روضة الطالبين (٢/ ٢٩٠).