كان معذورا؛ فقلت: كيف كان ذلك؟ قال: إن عثمان لمّا ولي كره ولايته نفر من الصّحابة؛ لأنّ عثمان كان يحبّ قومه، فولي النّاس اثنتي عشرة سنة، وكان كثيرا ما يولّي بني أمية ممّن لم يكن له مع رسول اللّه ﷺ صحبة؛ فكان يجيء من أمرائه ما ينكره أصحاب محمد، وكان عثمان يستعتب فيهم فلا يعزلهم، وذلك في سنة خمس وثلاثين، فلما كان في السّتّ [حجج] الأواخر استأثر بني عمّه فولاهم وما أشرك معهم، وأمرهم بتقوى اللّه؛ فولّى عبد اللّه بن سعد بن أبي سرح مصر فمكث عليها سنين، فجاء أهل مصر يشكونه ويتظلّمون منه، وقد كان قبل ذلك من عثمان هنات إلى عبد اللّه بن مسعود، وأبي ذرّ، وعمّار بن ياسر؛ فكانت بنو هذيل وبنو زهرة في قلوبهم ما فيها لحال ابن مسعود، وكان بنو غفار وأحلافها ومن غضب لأبي ذرّ في قلوبهم ما فيها، وكانت بنو مخزوم قد حنقت على عثمان لحال عمّار بن ياسر، وجاء أهل مصر يشكون ابن أبي سرح، فكتب إليه كتابا يتهدّده فيه، فأبى ابن ابي سرح أن يقبل ما نهاه عنه عثمان، وضرب بعض من أتاه من قبل عثمان من أهل مصر ممّن كان أتى عثمان فقتله، فخرج من أهل مصر سبعمائة رجل، فنزلوا المسجد وشكوا إلى الصّحابة في مواقيت الصّلاة ما صنع ابن أبي سرح بهم، فقام طلحة بن عبيد اللّه فكلّم عثمان بكلام شديد، وأرسلت عائشة ﵂ إليه فقالت: تقدّم إليك أصحاب محمد ﷺ وسألوك عزل هذا الرّجل فأبيت؛ فهذا قد قتل منهم رجلا فأنصفهم من عاملك؛ ودخل عليه عليّ بن أبي طالب فقال: إنّما يسألونك رجلا مكان رجل، وقد ادّعوا قبله دما؛ فاعزله عنهم واقض بينهم؛ فإن وجب عليه حقّ فأنصفهم منه. فقال لهم: اختاروا رجلا أولّيه عليكم مكانه؛ فأشار النّاس عليه بمحمد بن أبي بكر، فقالوا: استعمل علينا محمد بن أبي بكر، فكتب عهده وولاّه، وخرج معهم عدد من المهاجرين والأنصار ينظروه فيما بين أهل مصر وابن أبي سرح؛ فخرج محمد ومن معه، فلما كان على مسيرة ثلاثة ايّام من المدينة إذا هم بغلام أسود على بعير يخبط البعير خبطا كأنه رجل يطلب أو يطلب، فقال له أصحاب محمد ﷺ: ما قصّتك وما شانك؟ كأنك هارب أو طالب. فقال لهم: أنا غلام أمير المؤمنين، وجّهني إلى عامل مصر، فقال له رجل: هذا عامل مصر، قال: ليس هذا أريد. وأخبر بأمره محمد بن أبي بكر، فبعث في طلبه رجلا، فأخذه، فجاء به إليه فقال: غلام من