فأمَّا لَديغُ الهوى؛ فهوَ إلى شربِ الدِّرياقِ أحوجُ مِن أنْ يَسْقِيَهُ لغيرِهِ.
في بعضِ الكتبِ السَّالفةِ: إذا أرَدْتَ أنْ تَعِظَ النَّاسَ؛ فعِظْ نفسَكَ، فإنِ اتَّعَظَتْ، وَإلَّا؛ فاسْتَحْيِ مِنِّي.
وَغَيْرُ تَقِيٍّ يَأْمُرُ النَّاسَ بِالتُّقى … طَبيبٌ يُداوِي النَّاسَ وَهْوَ سَقيمُ (١)
يا أيُّها الرَّجُلُ المُقَوِّمُ غَيْرَهُ … هَلَّا لِنَفْسِكَ كانَ ذا التَّقْويمُ (٢)
فَابْدَأْ بِنَفْسِكَ فَانْهَها عَنْ غَيِّها … فَإنِ انْتَهَتْ عَنْهُ فَأنْتَ حَكيمُ
فَهُناكَ يُقْبَلُ ما تَقولُ وَيُقْتَدى … بِالقَوْلِ مِنْكَ وَيَنْفَعُ التَّعْليمُ
لا تَنْهَ عَنْ خُلُقٍ وَتَأْتِيَ مِثْلَهُ … عارٌ عَلَيْكَ إذا فَعَلْتَ عَظيمُ
لمَّا جَلَسَ عَبْدُ الواحِدِ بنُ زَيْدٍ للوعظِ؛ أتَتْهُ امرأةٌ مِن الصَّالحاتِ فأنْشَدَتْهُ:
يا واعِظًا قامَ لاحْتِسابٍ … يَزْجُرُ قَوْمًا عَنِ الذُّنوبِ
تَنْهى وَأنْتَ المُريبُ حقًّا … هذا مِنَ المُنكَرِ العَجيبِ
لَوْ كُنْتَ أصْلَحْتَ قَبْلَ هذا … عَيْبَكَ أوْ تُبْتَ مِنْ قَريبِ
كانَ لِما قُلْتَ يا حَبيبي … مَوْقِعُ صِدْقٍ مِنَ القُلوبِ
تَنْهى عَنِ الغَيِّ وَالتَّمادي … وَأنْتَ في النَّهْيِ كَالمُريبِ
لمَّا حاسَبَ المتَّقونَ أنفسَهُم؛ خافوا مِن عاقبةِ الوعظِ والتَّذكيرِ.
قالَ رجلٌ لابنِ عَبَّاسٍ: أريدُ أنْ آمُرَ بالمعروفِ وأنْهى عن المنكر. فقالَ لهُ: إنْ لمْ تَخْشَ أنْ تَفْضَحَكَ هذهِ الآياتُ الثَّلاثُ؛ فافْعَلْ، وإلَّا؛ فأبْدَأْ بنفسِكَ. ثمَّ تَلا: {أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ} [البقرة: ٤٤]، وقولَهُ تَعالى: {لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ. كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ} [الصف: ٢ - ٣]. وقولَهُ حكايةً عن شُعَيْبٍ عليهِ السَّلامُ: {وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ} [هود: ٨٨].
(١) هذا البيت من البحر الطويل، والأبيات التي تليه من البحر الكامل، وهذا يدل على ضرورة فصله عن تلك المقطوعة لأنه لا ينتمي إليها.
(٢) في خ: "يا أيها الرجل المعلم … ذا التعليم"، وفوق "المعلم" "المقوم" وفوق "التعليم" "التقويم". وأثبتّ ما في م ون وط.