مع أن أبا حنيفة يجيز الحمالة في هذا الموضع، ولكن في غير هذا الموضع لا يجيز حمالة الكتاب (٢).
ودائمًا ما نحاول أن نستشف روح الشريعة؛ فالشريعة لها مقاصد، وقد تكلَّم عنها العلماء وفصلوا فيها، ولو دققنا النظر في كل حكم من الأحكام بمعونة من الله -سبحانه وتعالى- لأدركنا أن هذا الحكم له علة ومقصد، وأن الله-سبحانه وتعالى- ما شرع هذه الأحكام وما أنزلها إلا لحكمة بالغة، فيها سعادة الناس ومصلحتهم، حتَّى إن بعض الأمور قد ترى فيها شدة لكن مصلحتها أكبر، فهل هناك أشد من أن تزال رقبة الإنسان إذا قتل غيره؟!
(١) سبق نقل كلام السرخسي في هذا الباب. وقال ابن عبد البر: "قال أبو حنيفة وأصحابه: لا يكون لعبيد إذا كاتبهم سيدهم كتابة واحدة حملًا بعضهم عن بعض إلا أن يكاتب الرجل عبديه كتابة واحدة معلومة ويشترط عليهما أنها إن أَدَّيا عتقا، وإن عجزا رُدَّا في الرق، فإن لم يشترط ذلك عليهما لم يكونا حميلين بعضهما عن بعض، فإن اشترط ذلك في عقد الكتابة كان للسيد أن يأخذ كل واحد منهما بالكتابة كلها، فأيهما أداها إليه عتق وعتق صاحبه، وكان له أن يرجع على صاحبه بحصته منها، وكذلك ما أداه من الكتابة في شيء كان له أن يرجع على صاحبه بشيء". انظر: "الاستذكار" (٧/ ٣٩٣، ٣٩٤). (٢) يُنظر: "شرح مختصر الطحاوي "، للجصاص (٨/ ٣٨٠)، حيث قال: قال أبو جعفر: " (ولا تجوز الكفالة للمولى بما على عبده من الكتابة في غير ما ذكرنا)، وذلك لأن مال المكاتبة لا يثبت إلا في رق يستحق به العتق، فمن ضمنه على غير هذا الوجه: لم يصح ضمانه، ألا ترى أن رجلًا لو قال للمولى: كاتب عبدك على ألف درهم، على أني ضامن له دونه: لم يصح؛ لأنه لم يتعلق برق يستحق به العتق، وأيضًا: فإن ضمان الحر للمال ضمان صحيح، ومال الكتابة ليس بدين صحيح؛ لأن له إسقاطه عن ننفسه بالعجز". قال ابن عبد البر: " … على قول مالك في هذا أن الحمالة لا تصح على غير المكاتب لسيده جمهور أهل العلم، وهو قولا الثوري وأبي حنيفة والشافعي وأحمد". انظر: "الاستذكار" (٧/ ٣٩٥).