لا شكَّ بعد تدقيق النظر فيما يتعلق بالمكاتب في هذه المسألة أن القصد من ذلك هو الرفق بأحوالهم ومساعدتهم وإعانتهم، وجعل الله -سبحانه وتعالى- لهذا المكاتب الذي يريد الوفاء حقًا، وفرق بين المكاتب الذي يريد الوفاء، وبين المكاتب المماطل المتكاسل، فمن يريد الوفاء وفَّى الله -سبحانه وتعالى- عنه ويسر له أمره، أما من لا يريد الوفاء فإن الأمور تنعكس عليه.
يرى الشافعية والحنابلة أنه لا فرق بين هذه الصورة وبين حمَالَة الأجنبيين، أما المالكية فاستدلُّوا بقول الله تعالى بين الزوجين:{وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ}[البقرة: ٢٣٧]، وهنا أيضًا لا ينبغي أن يُنسَى الفضل بينهم فكم من السنين والمدة الطويلة التي أمضاها هذا الخادم في طاعة سيده وخدمه، فهذه أمور كثيرة ينبغي أن يكافَأ عليها؛ ولا شكَّ أن نظرة المالكية في هذا المقام نظرة حصيفة لا تبتعد عن روح هذه الشريعة ومنهجها.
(١) يُنظر: "الأم" للشافعي (٨/ ٥١) حيث قال: "ولا يجوز للرجل أن يكاتب عبده على أن يحمل له عبد له عنه، ولا يجوز أن يحمل له عبده عن عبد له، ولا عن عبده لغيره، ولا عن عبد أجنبي؛ لأنه لا يكون له على عبده دين ثابت بكتابة ولا غيرها"، قال: "ولا يجوز أن يكاتب العبيد كتابة واحدة على أن بعضهم حملاء عن بعض، ولا أن يكاتب ثلاثة أعبد على مائة على أنه لا يعتق واحد منهم حتى يؤدوا المائة كلها؛ لأن هذه كالحمالة من بعضهم عن بعض ".