فاستثناء ذلك للحاجة، وفرقٌ بين الانتفاع به، وبين بيعه، وقد تقدَّمت التفرقة بينهما في مسألة الروث وما أشبهه، وذكرنا: أن جمهور العلماء يجوِّزُون الانتفاع بتلك الأشياء، لكنهم يمنعون بيعها، وكذلك النهي عن بيِع الماء، وقد ورد من حديث أبي ذرّ المتفق عليه أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - قال:"ثَلاثَةٌ لا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلا يُزَكِّيهِمْ، وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ … ". وذكر من بينهم:"رَجُلٌ كَانَ لَهُ فَضْلُ مَاءٍ فَمَنَعَهُ ابْنَ السَّبِيلِ"(١)؛ ولذلك تكلَّم العلماء عن حكم بيع الماء (٢)، فبعض العلماء
(١) أخرجه البخاري (٢٣٥٨)، ومسلم (١٠٨)، بلفظ: "رجل على فضل ماء بالفلاة يمنعه من ابن السبيل". (٢) بيع الماء لا يخلو من حالتين؛ الحالة الأولى: أن يكون الماءُ في بئر أو نهر عام ليس ملكًا لأحد، فهذا لا يجوز بيعه. الحالة الثانية: أن يكون الماء في ملك الشخص، وهو الذي أخرجه وحازه في ملكه فهذا يجوز له أن يبعه. فأما الأول: مذهب الحنفية: "البحر الرائق" لابن نجيم (٥/ ٣٠٦) قال: "بيع الماء في الحياض والآبار لا يجوز إِلَّا إذا جعله في إناء". مذهب المالكية: "التوضيح في شرح مختصر ابن الحاجب" لخليل (٧/ ٢٧١ - ٢٧٢) قال: "وَأَمَّا مَاءُ الْبِئْرِ الَّتِي حُفِرَتْ فِي الْفَيَافِي فَلا تبَاعُ … ، وهو قول ابن الماجشون وأصبغ وابن حبيب، وهو قول أصحابنا وروايتهم عن مالك". ونقل الباجي عن المجموعة أيضًا أنه قال فيها قال مالك: "لا يجوز بيع بئر الماشية … ". مذهب الشافعية: "تحفة المحتاج"، للهيتمي (٤/ ٢٧١)، قال: "والحاصل أنه لا يصح بيع الماء من نحو نهر أو بئر وحده مطلقًا للجهل به". مذهب الحنابلة: "كشاف القناع" للبهوتي (٣/ ١٦٠) قال: "ولا يملك ماء عد" بكسر العين وتشديد الدال قبل حيازته، "وهو الذي له مادة لا تنقطع كمياه العيون و" كـ "نقع البئر" لقوله - عَلَيْهِ السَّلَام -: "المسلمون شركاء في ثلاث: في الماء والكلأ =