شرع المؤلف في ذكر أسباب الخلاف في هذه المسألة، وأنه راجع إلى أمرين:
الأول: اختلافهم في تأويل قول الله تعالى: {مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ}[المائدة: ٨٩]، والتوسط في الأُمور من سمات هذه الشريعة، ففي حديث معاذ أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما بعثه إلى اليمن قال:"إنك ستأتي قومًا أهل كتاب فليكن أول ما تدعوهم إليه هو شهادة أن لا إله إلا الله"، ثم قال:"فأخبرهم أن الله فرض عليهم الصدقة تُؤخذ من أغنيائهم، وتُرد إلى فقرائهم، فإن هم أطاعوك لذلك فإيَّاك وكرائم (١) أموالهم"(٢)، أي: تجنب أنفس الأموال، وإنما خذ من أوساطها، وقال أيضًا:"خير الأُمور أوسطها"(٣)، وقال تعالى: {وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ
(١) كرائم أموالهم: أي: نفائسها التي تتعلق بها نفس مالكها، ويختصها لها، حيث هي جامعة للكمال الممكن في حقها. وواحدتها: كريمة". انظر: "النهاية" لابن الأثير (٤/ ١٧٦). (٢) أخرجه البخاري (٤٣٤٧)، ومسلم (١٩). (٣) أخرجه البيهقي في "السنن الكبرى" بلاغًا (٣/ ٣٨٧)، عن عمرو بن الحارث قال: بلغني أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "أمرًا بين أمرين، وخير الأمور أوساطها". قال البيهقي: "هذا مُنقطع". وضعفه الألباني في "ضعيف الجامع" (١٢٥٢)، وأخرجه البيهقي في "شعب الإيمان" (٨/ ٥١٩) عن مطرف، قال: "خيرُ الأُمور أوساطها"، وقال الألباني: "إسناده صحيح موقوف". انظر: "السلسلة الضعيفة" (١٤/ ١١٦٤).