يَعْنِي لَيْسَ الْيَوْمَ مُؤَلَّفَةٌ، انْتَهَى. وَأَخْرَجَ عَنْ الشَّعْبِيِّ، قَالَ: لَمْ يَبْقَ فِي النَّاسِ الْيَوْمَ مِنْ الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ أَحَدٌ، إنَّمَا كَانُوا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، انْتَهَى. وَأَخْرَجَ نَحْوَهُ عَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ رضي الله عنه، وَاسْتَدَلَّ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي "التَّحْقِيقِ" لِمَذْهَبِنَا عَلَى سُقُوطِ الْمُؤَلَّفَةِ بِحَدِيثِ مُعَاذٍ: صَدَقَةٌ تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ فَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ، قَالَ: وَهَذَا مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ قَالَهُ فِي وَقْتٍ غَيْرِ مُحْتَاجٍ إلَى التَّأْلِيفِ.
قَوْلُهُ: وَفِي الرِّقَابِ أَنْ يُعَانَ الْمُكَاتَبُونَ مِنْهَا فِي فَكِّ رِقَابِهِمْ، قُلْت: رَوَى الطَّبَرِيُّ فِي "تَفْسِيرِهِ"١ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ إسْحَاقَ عَنْ الْحَسَنِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ، أَنَّ مُكَاتَبًا قَامَ إلَى أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ، وَهُوَ يَخْطُبُ النَّاسَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، فَقَالَ لَهُ: أَيُّهَا الْأَمِيرُ حُثَّ النَّاسَ عَلَيَّ، فَحَثَّ عَلَيْهِ أَبُو مُوسَى، فَأَلْقَى النَّاسُ عَلَيْهِ: هَذَا يُلْقِي عِمَامَةً، وَهَذَا يُلْقِي مُلَاءَةً، وَهَذَا يُلْقِي خَاتَمًا، ختى أَلْقَى النَّاسُ عَلَيْهِ سَوَادًا كَثِيرًا، فَلَمَّا رَأَى أَبُو مُوسَى مَا أُلْقِيَ عَلَيْهِ، قَالَ: اجْمَعُوهُ، ثُمَّ أَمَرَ بِهِ فَبِيعَ، فَأَعْطَى الْمُكَاتَبَ مُكَاتَبَتَهُ، ثُمَّ أَعْطَى الْفَضْلَ فِي الرِّقَابِ نَحْوَ ذَلِكَ، وَلَمْ يَرُدَّهُ عَلَى النَّاسِ، وَقَالَ: إنَّ هَذَا الَّذِي قَدْ أَعْطَوْهُ فِي الرِّقَابِ، انْتَهَى. وَأَخْرَجَ عَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ رضي الله عنه، وَالزُّهْرِيِّ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، قَالُوا: {وَفِي الرِّقَابِ} هُمْ الْمُكَاتَبُونَ، انْتَهَى. وَاسْتَشْهَدَ شَيْخُنَا عَلَاءُ الدِّينِ بِحَدِيثٍ أَخْرَجَهُ ابْنُ حِبَّانَ٢، وَالْحَاكِمُ عَنْ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إلَى النَّبِيِّ عليه السلام، فَقَالَ: دُلَّنِي عَلَى عَمَلٍ يُقَرِّبُنِي مِنْ الْجَنَّةِ، وَيُبَاعِدُنِي عَنْ النَّارِ، قَالَ: "أَعْتِقْ النَّسَمَةَ، وَفُكَّ الرَّقَبَةَ"، قَالَ: أَوَ لَيْسَا وَاحِدًا؟ قَالَ: "لَا، عِتْقُ النَّسَمَةِ أَنْ تَفَرَّدَ بِعِتْقِهَا، وَفَكُّ الرَّقَبَةِ، أَنْ تُعِينَ فِي ثَمَنِهَا"، انْتَهَى. وَهَذَا لَيْسَ في الْمَقْصُودُ، فَإِنَّ مُرَادَ الْمُصَنِّفِ تَفْسِيرُ الْآيَةِ لَا تَفْسِيرُ الْفَكِّ، نَعَمْ، الْحَدِيثُ مُفِيدٌ فِي مَعْرِفَةِ الْفَرْقِ بَيْنَ الْعِتْقِ وَالْفَكِّ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
الْحَدِيثُ الرَّابِعُ وَالثَّلَاثُونَ: قَالَ الْمُصَنِّفُ: {وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ} مُنْقَطِعُ الْغُزَاةِ، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ: مُنْقَطِعُ الْحَاجِّ، لِمَا رُوِيَ أَنَّهُ عليه السلام أَمَرَ رَجُلًا جَعَلَ بَعِيرًا لَهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَنْ يَحْمِلَ عَلَيْهِ الْحَاجَّ، قُلْت: اسْتَشْهَدَ لَهُ شَيْخُنَا عَلَاءُ الدِّينِ بِحَدِيثٍ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد عَنْ أُمِّ مَعْقِلٍ، قَالَتْ: كَانَ لَنَا جَمَلٌ، فَجَعَلَهُ أَبُو مَعْقِلٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، إلَى أَنْ قَالَ: فَهَلْ أُخْرِجَتْ عَلَيْهِ، فإن الحج في سَبِيلِ اللَّهِ، مُخْتَصَرٌ، وَهَذَا لَا يُغْنِي، لِأَنَّ الْمَقْصُودَ تَفْسِيرُ قوله تعالى: {وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ} ، وَأَيْضًا فَلَفْظُ الْحَدِيثِ لَا يَمْنَعُ دُخُولَ الغزاة في الحاج، وَلَا يَتِمُّ الِاسْتِدْلَال إلَّا عَلَى تَقْدِيرِ الْحَصْرِ، وَأَيْضًا فَلَيْسَ فِيهِ أَمْرٌ، فَلَا يَكْفِي فِي الْمَقْصُودِ، وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد٣ فِي "كِتَابِ الْحَجِّ فِي بَابِ الْعُمْرَةِ" عَنْ
١ ص ١١٣ ج ١٠.٢ وأحمد في "مسنده" ص ٢٩٩ ج ٤.٣ أبو داود: ص ٢٧٩ ج ١.
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://mail.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.