ترى يا ابن الخطاب؟» قال: قلت: لا واللَّه يا رسول اللَّه ما أرى الذي رأى أبو بكرٍ، ولكني أرى أن تُمكِّنَّا فنضرب أعناقهم، فتُمكِّن علياً من عقيلٍ فيضربُ عُنقه، وتُمكِّنِّي من فلانٍ - نسيباً لعمر - فأضربَ عنقه؛ فإن هؤلاء أئمة الكفر وصناديدُها، فَهَوِيَ رسولُ اللَّه - صلى الله عليه وسلم - ما قال أبو بكرٍ، ولم يَهْوَ ما قُلْتُ، ولَمّا كان مِنَ الغَدِ جئتُ فإذا رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - وأبو بكر قاعدين يبكيان، قلت: يا رسول اللَّه! أخبرني من أيّ شيءٍ تبكي أنت وصاحبُك؟ فإن وجدتُ بُكاءً بكيت، وإن لم أجد بُكاءً تباكيتُ لبكائكما؟ فقال رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم -: «أبكي للذي عرض عليَّ أصحابُك من أخذهم الفداء، لقد عُرِضَ عليَّ عذابهم أدنى من هذه الشجرة» شجرةٍ قريبةٍ من نبيّ اللَّه - صلى الله عليه وسلم -، وأنزل اللَّه - عز وجل -: {مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ (١) فِي الْأَرْضِ إلى قوله: فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا} (٢)، فأحلّ اللَّه الغنيمة لهم) (٣).
١٦ - بكى النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - شفقة على أمته، فعن عبد اللَّه بن عمرو رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا: أنّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - تلا قول اللَّه - عز وجل - في إبراهيم:{رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي}(٤) الآية، وقال عيسى - عليه السلام -: {إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ}(٥) الآية، فرفع يديه وقال:«اللَّهم أُمّتي أُمّتي» وبكى، فقال اللَّه - عز وجل -: «يا
(١) يثخن في الأرض: يُكثر القتل والقهر في العدوِّ. شرح النووي ١٢/ ٨٧. (٢) سورة الأنفال، الآيات: ٦٧ – ٦٩. (٣) مسلم، كتاب الجهاد والسير، باب الإمداد بالملائكة في غزوة بدر، وإباحة الغنائم، برقم ١٧٦٣. (٤) سورة إبراهيم، الآية: ٣٦. (٥) سورة المائدة، الآية: ١١٨.