فلما سمعت بشارة الملائكة لها بذلك، عن الله، ﷿، قالت في مناجاتها:(رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ) تقول: كيف يوجد هذا الولد مني وأنا لست بذات زوج ولا من عزمي أن أتزوج، ولست بَغيا؟ حاشا لله. فقال لها الملك -عن الله، ﷿، في جواب هذا السؤال-: (كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ) أي: هكذا أمْرُ الله عظيم، لا يعجزه شيء. وصرح هاهنا بقوله:(يَخْلُقُ) ولم يقل: "يفعل" كما في قصة زكريا، بل نص هاهنا على أنه يخلق؛ لئلا يبقى شبهة، وأكد ذلك بقوله:(إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) أي: فلا يتأخر (١) شيئًا، بل يوجد عقيب (٢) الأمر بلا مهلة، كقوله تعالى: ﴿وَمَا أَمْرُنَا إِلا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ﴾ [القمر: ٥٠] أي: إنما نأمر مرة واحدة لا مثنوية فيها، فيكون ذلك الشيء سريعًا كلمح بالبصر (٣).
يقول تعالى -مخبرا عن تمام بشارة الملائكة لمريم بابنها عيسى، عليه (٤) السلام-أن الله يعلمه (الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ) الظاهر أن المراد بالكتاب هاهنا الكتابة. والحكمة تقدم الكلام على تفسيرها في سورة البقرة (٥).
(وَالتَّوْرَاةَ وَالإنْجِيلَ) فالتوراة: هو الكتاب الذي أنزله الله على موسى بن عمران. والإنجيل: الذي أنزله الله على عيسى عليهما (٦) السلام، وقد كان [عيسى](٧)﵇، يحفظ هذا وهذا.
وقوله:(وَرَسُولا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ) أي: [و](٨) يجعله رسولا إلى بني إسرائيل، قائلا لهم:(أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ) وكذلك كان يفعل: يصور من الطين شكل طير، ثم ينفخُ فيه، فيطير عيانًا بإذن الله، ﷿، الذي جعل هذا معجزة يَدُلّ على أن الله أرسله.
(وَأُبْرِئُ الأكْمَهَ) قيل: هو الذي يبصر نهارًا ولا يبصر ليلا. وقيل بالعكس. وقيل: هو الأعشى. وقيل: الأعمش. وقيل: هو الذي يولد أعمى. وهو أشبه؛ لأنه أبلغ في المعجزة وأقوى في التحدي (والأبرص) معروف.
(١) في ر: "ولا تتأخر". (٢) في جـ، و: "عقب". (٣) في أ: "البصر". (٤) في جـ، أ، و: "عليهما". (٥) الآية رقم ١٢٩. (٦) في و: "عليه". (٧) زيادة من جـ، أ. (٨) زيادة من جـ، أ.