لما رأى زكريا، ﵇، أن الله تعالى يرزق مريم، ﵍، فاكهة الشتاء في الصيف، وفاكهة الصيف في الشتاء، طمع حينئذ في الولد، و [إن](١) كان شيخا كبيرا قد [ضعف و](٢) وَهَن منه (٣) العظم، واشتعل رأسه شيبا، وإن كانت امرأته مع ذلك كبيرة وعاقرًا، لكنه مع هذا كله سأل ربه وناداه نداء خَفيا، وقال:(رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ) أي: من عندك (ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً) أي: ولدا صالحا (إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ).
قال الله تعالى:(فَنَادَتْهُ الْمَلائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ) أي: خاطبته الملائكة شفاها خطابًا أسمعته، وهو قائم يصلي في محراب عبادته، ومحل خَلْوَته، ومجلس مناجاته، وصلاته. ثم أخبر عما بشّرته به الملائكة:(أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى) أي: بولد يوجد لك من صلبك اسمه يحيى. قال قتادة وغيره: إنما سُمِّي يحيى لأن الله تعالى أحياه بالإيمان.
وقوله:(مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ) روى العَوْفيّ وغيره عن ابن عباس. وقال الحسن وقتادة وعكرمة ومجاهد وأبو الشعثاء والسُّدي والربيع بن أنس، والضحاك، وغيرهم في هذه الآية:(مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ) أي: بعيسى ابن مريم؛ قال الربيع بن أنس: هو أول من صدق بعيسى ابن مريم، وقال قتادة: وعلى سننه (٤) ومنهاجه. وقال ابن جُرَيْج: قال ابن عباس في قوله: (مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ) قال: كان يحيى وعيسى ابني خالة، وكانت أم يحيى تقول لمريم: إني أجد الذي في بطني يَسْجُد للذي في بطنك فذلك تصديقه بعيسى: تصديقه له في بطن أمه، وهو أول من صدق عيسى، وكلمة الله عيسى، وهو أكبر من عيسى (٥) عليه (٦) السلام، وهكذا قال السدي أيضا.
وقوله:(وَسَيِّدًا) قال أبو العالية، والربيع بن أنس، وقتادة، وسعيد بن جبير، وغيرهم: الحكيم (٧) وقال قتادة: سيدًا في العلم والعبادة. وقال ابن عباس، والثوري، والضحاك: السيد الحكيم (٨) المتقي (٩) وقال سعيد بن المسيب: هو الفقيه العالم. وقال عطية: السيد في خلقه ودينه. وقال عكرمة: هو الذي لا يغلبه الغضب. وقال ابن زيد: هو الشريف. وقال مجاهد وغيره (١٠) هو
(١) زيادة من أ، و. (٢) زيادة من أ، و. (٣) في جـ، ر: "ضعف". (٤) في جـ، أ، و: "سنته". (٥) في ر: "يحيى". (٦) في ر، أ، و: "عليهما" (٧) في جـ، أ، و: "الحليم". (٨) في جـ، أ، و: "الحليم". (٩) في أ، و: "التقي". (١٠) في أ: "غيرهم".