يخبر تعالى أنه اختار هذه البيوت على سائر أهل الأرض، فاصطفى آدم، ﵇، خلقه بيده، ونفخ فيه من روحه، وأسجد له ملائكته، وعلمه أسماء كل شيء، وأسكنه الجنة ثم أهبطه منها، لما له في ذلك من الحكمة.
واصطفى نوحا، ﵇، وجعله أول رسول [بعثه](١) إلى أهل الأرض، لما عبد الناس الأوثان، وأشركوا في دين الله ما لم ينزل به سلطانا، وانتقم له لما طالت مدته بين ظَهْرَاني قومه، يدعوهم إلى الله ليلا ونهارًا، سرا وجهارًا، فلم يزدهم ذلك إلا فرارًا، فدعا عليهم، فأغرقهم الله عن آخرهم، ولم يَنْجُ منهم إلا من اتبعه على دينه الذي بعثه الله به.
واصطفى آل إبراهيم، ومنهم: سيد البشر وخاتم الأنبياء على الإطلاق محمد ﷺ، وآل عمران، والمراد بعمران هذا: هو والد مريم بنت عمران، أم عيسى ابن مريم، ﵈. قال محمد بن إسحاق بن يَسار (٢)﵀: هو عمران بن ياشم بن أمون بن ميشا بن حزقيا بن أحريق بن يوثم بن عزاريا (٣) ابن أمصيا بن ياوش بن أجريهو بن يازم بن يهفاشاط بن إنشا بن أبيان (٤) بن رخيعم بن سليمان بن داود، ﵉. فعيسى، ﵇، من ذرية إبراهيم، كما سيأتي بيانه في سورة الأنعام، إن شاء الله وبه الثقة.
امرأة عمران هذه أم مريم [بنت عمران](٥)﵍(٦) وهي حَنَّة بنت فاقوذ، قال محمد بن إسحاق: وكانت امرأة لا تحمل، فرأت يوما طائرًا يَزُقُّ فرخه، فاشتهت الولد، فدعت الله، ﷿، أن يهبها ولدا، فاستجاب الله دعاءها، فواقعها زوجها، فحملت منه، فلما تحققت الحمل نذرته أن يكون (مُحَرَّرًا) أي: خالصا مفرغا للعبادة، ولخدمة بيت المقدس، فقالت:(رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) أي: السميع لدعائي، العليم بِنيتي، ولم تكن تعلم ما في بطنها أذكرا أم أنثى؟ (فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ) قرئ برفع التاء على أنها تاء المتكلم، وأن ذلك من تمام قولها، وقُرئ بتسكين التاء على أنه من قول الله ﷿(وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأنْثَى) أي: في القوة والجَلَد في العبادة وخدمة المسجد الأقصى (وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ) فيه دلالة على جواز التسمية يوم الولادة كما هو الظاهر من السياق؛ لأنه شرع من
(١) زيادة من ج، ر، أ، و. (٢) في أ: "بشار". (٣) في و: "عزازيا". (٤) في ر، أ: "أثان"، وفي و" "أيان". (٥) زيادة من جـ، ر، أ، و. (٦) في و: "سم".