ثم رواه البخاري، عن الحسن بن محمد الزعفراني، عن حجاج بن محمد الأعور، عن ابن جريج، فذكره (٣). وهو من أفراد البخاري، ﵀.
وفي هذا الحديث كفاية في تفسير هذه الآية، وتبيين ما فيها من المثل بعمل من أحسن العمل أولا ثم بعد ذلك انعكس سيره، فبدل الحسنات بالسيئات، عياذًا بالله من ذلك، فأبطل بعمله الثاني ما أسلفه فيما تقدم من الصالح (٤) واحتاج إلى شيء من الأول في أضيق الأحوال، فلم يحصل له منه شيء، وخانه أحوجَ ما كان إليه، ولهذا قال تعالى:(وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ) وهو الريح الشديد (٥)(فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ) أي: أحرق (٦) ثمارَها وأباد أشجارها، فأيّ حال يكون حاله.
وقد روى ابن أبي حاتم، من طريق العَوْفي، عن ابن عباس قال: ضرب الله له مثلا حسنًا، وكل أمثاله حسن، قال:(أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ) يقول: ضيّعَه في شيبته (وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ) وولده وذريته ضعاف عند آخر عمره، فجاءه إعصار فيه نار فأحرق (٧) بستانه، فلم يكن عنده قوة أن يغرس مثله، ولم يكن عند نسله خير يعودون به عليه، وكذلك الكافر يوم القيامة، إذ ردّ إلى الله ﷿، ليس له خير فيُسْتَعْتَب، كما ليس لهذا قوة فيغرس مثل بستانه، ولا يجده قدم لنفسه خيرا يعود عليه، كما لم يُغْن عن هذا ولدُه، وحُرم أجره عند أفقر ما كان إليه، كما حرم هذا جنة الله عند أفقر ما كان إليها عند كبره وضعف ذريته.
وهكذا (٨)، روى الحاكم في مستدركه: أن رسول الله ﷺ كان يقول في دعائه: "اللهم اجعل أوسع رزقك علي عند كبر سني وانقضاء عمري"(٩)؛ ولهذا قال تعالى:(كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ) أي: تعتبرون وتفهمون الأمثال والمعاني، وتنزلونها على المراد منها، كما قال تعالى: ﴿وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلا الْعَالِمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٣].
(١) في جـ: "حتى أحرق". (٢) صحيح البخاري برقم (٤٥٣٨). (٣) لم أقع على هذا الطريق في صحيح البخاري، ولم يذكره المزي في تحفة الأشراف. (٤) في أ: "من المصالح". (٥) في جـ: "الشديدة". (٦) في جـ: "أي: احترق". (٧) في جـ: "فأحرقت"، وفي أ: " فاحترقت". (٨) في جـ: "ولهذا". (٩) المستدرك (١/ ٥٤٢) من طريق سعيد بن سليمان، عن عيسى بن ميمون، عن القاسم، عن عائشة، ﵂، مرفوعا، وقال الحاكم: "هذا حديث حسن الإسناد والمتن غريب في الدعاء مستحب للمشايخ إلا أن عيسى بن ميمون لم يحتج به الشيخان" قال الذهبي: قلت: "عيسى متهم".