ويتعلق بذلك أيضًا التكبيرُ وذكر الله عند رمي الجمرات كلّ يوم من أيام التشريق. وقد جاء في الحديث الذي رواه أبو داود وغيره:"إنما جعل الطواف بالبيت، والسعي بين الصفا والمروة ورمي الجمار، لإقامة ذكر الله ﷿"(١).
ولما ذكر الله تعالى النَّفْر الأول والثاني، وهو تفرق الناس من موسم الحج إلى سائر الأقاليم والآفاق بعد اجتماعهم في المشاعر والمواقف، قال:(وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ)[أي: تجتمعون يوم القيامة](٢)، كما قال: ﴿وَهُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ [المؤمنون: ٧٩].
قال السدي: نزلت في الأخنس بن شَرِيق الثقفي، جاء إلى رسول الله ﷺ، وأظهر الإسلام وفي باطنه خلاف ذلك. وعن ابن عباس: أنها نزلت في نفر من المنافقين تكلموا في خُبَيب وأصحابه الذين قتلوا بالرّجيع وعابُوهم، فأنزل الله في ذم المنافقين ومدح خُبَيب وأصحابه:(وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ)
وقيل: بل ذلك عام في المنافقين كلهم وفي المؤمنين كلهم. وهذا قول قتادة، ومجاهد، والرّبيع بن أنس، وغير واحد، وهو الصحيح.
وقال ابن جرير: حدثني يونس، أخبرنا ابن وهب، أخبرني الليث بن سعد، عن خالد بن يزيد، عن سعيد بن أبي هلال، عن القرظي، عن نَوْف -وهو البكالي، وكان ممن يقرأ الكتب -قال: إني لأجد صفة ناس من هذه الأمة في كتاب الله المنزل: قَوم يحتالون على الدنيا بالدين، ألسنتهم أحلى من العسل، وقلوبهم أمَرّ من الصّبرِ، يلبسون للناس (٣) مُسوك الضأن، وقلوبهم قلوب الذئاب. يقول الله تعالى: فعليّ يجترئون! وبي يغتَرون! حلفت بنفسي لأبعثن عليهم فتنة تترك الحليم فيها (٤) حيران. قال القرظي: تدبرتها في القرآن، فإذا هم المنافقون، فوجدتها:(وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ) الآية.
وحدثني محمد بن أبي معشر، أخبرني أبي أبو معشر نَجِيح قال: سمعت سعيدًا المقبري يذاكر محمد بن كعب القرظي، فقال سعيد: إن في بعض الكتب: إنّ [لله](٥) عبادًا ألسنتهم أحلى من
(١) سنن أبي داود برقم (١٨٨٨). (٢) زيادة من جـ. (٣) في جـ، ط، أ، و: "يلبسون لباس". (٤) في أ: "فيهم". (٥) زيادة من جـ، ط، أ، و.