وفي الصحيحين عن عبد الله بن عَمْرو: أن أبا بكر قال: يا رسول الله، عَلمني دعاء أدعو به في صلاتي؟ فقال: "قل: اللهمّ إني ظلمت نفسي ظلمًا كثيرًا ولا يغفر الذنوب إلا أنت، فاغفر لي مَغْفِرةً من عندك وارحمني، إنَّك أنت الغفور الرحيم" (٢).
يأمرُ تعالى بذكره والإكثار منه بعد قَضَاء المناسك وفراغها.
وقوله:(كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ) اختلفوا في معناه، فقال ابن جُرَيج، عن عطاء: هو (٣) كقول الصبي: "أبَهْ أمَّهْ"، يعني: كما يَلْهَج الصبي بذكر أبيه وأمه، فكذلك أنتم، فالهجوا بذكر الله بعد قضاء النسك. وكذا قال الضحاك والربيع بن أنس. وروى ابنُ جرير من طريق العوفي، عن ابن عباس -نحوه.
وقال سعيد بن جُبَير، عن ابن عباس [قال](٤): كان أهل الجاهلية يقفون في الموسم (٥) فيقول الرجل منهم: كان أبي يطعم ويحمل الحَمَالات [ويحمل الديات](٦). ليس لهم ذكر غير فعال آبائهم. فأنزل الله على محمد ﷺ:(فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا)
قال ابن أبي حاتم: ورُوي عن أنس بن مالك، وأبي وائل، وعطاء بن أبي رباح في أحد قوليه، وسعيد بن جُبَير، وعكرمة في إحدى رواياته، ومجاهد، والسدي، وعطاء الخراساني، والربيع بن أنس، والحسن، وقتادة، ومحمد بن كعب، ومقاتل بن حيان، نحو ذلك. وهكذا حكاه ابن جرير أيضًا عن جماعة، والله أعلم.
والمقصود منه الحث على كثرة الذكر لله ﷿؛ ولهذا كان انتصاب قوله:(أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا) على التمييز، تقديره كذكركم آباءكم أو أشد منه ذكرًا. و"أو" هاهنا لتحقيق المماثلة في الخبر، كقوله: ﴿فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾ [البقرة: ٧٤]، وقوله: ﴿يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً﴾ [النساء: ٧٧]،
(١) صحيح البخاري برقم (٦٣٠٦). (٢) صحيح البخاري برقم (٧٣٧٨) وصحيح مسلم برقم (٢٧٠٥). (٣) في جـ: "وهو". (٤) زيادة من جـ، ط. (٥) في أ: "في المواسم". (٦) زيادة من أ، و.