وقوله:(وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) وذلك لأنه غضبانُ عليهم، لأنهم كتموا وقد علموا، فاستحقوا الغضب، فلا ينظر إليهم ولا يزكيهم، أي يثني (٢) عليهم ويمدحهم بل يعذبهم عذابا أليما.
وقد ذكر ابن أبي حاتم وابن مَرْدُوَيْه هاهنا [الحديث الذي رواه مسلم أيضًا من](٣) حديث الأعمش، عن أبي حازم، عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ: "ثلاثة لا يكلمهم الله، ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم [ولهم عذاب أليم](٤) شيخ زان، وملك كذاب، وعائل مستكبر" (٥).
ثم قال تعالى مخبرا عنهم:(أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى) أي: اعتاضوا عن الهدى، وهو نشر ما في كتبهم من صفة الرسول وذكر مبعثه والبشارة به من كتب الأنبياء واتباعه وتصديقه، استبدلوا عن ذلك واعتاضوا عنه بالضلالة، وهو تكذيبه والكفر به وكتمان صفاته في كتبهم (وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ) أي: اعتاضوا عن المغفرة بالعذاب وهو ما تعاطَوْه من أسبابه المذكورة.
وقوله تعالى:(فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ) يخبر تعالى أنَّهم في عذاب شديد عظيم هائل، يتعجَّبُ من رآهم فيها من صبرهم على ذلك، مع (٦) شدة ما هم فيه من العذاب، والنكال، والأغلال عياذًا بالله من ذلك.
[وقيل معنى قوله:(فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ) أي: ما أدومهم لعمل المعاصي التي تفضي بهم إلى النار] (٧).
وقوله:(ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نزلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ) أي: إنما استحقوا هذا العذاب الشديد لأن الله تعالى أنزل على رسوله محمد ﷺ وعلى الأنبياء قبله كتبه بتحقيق الحق وإبطال الباطل، وهؤلاء اتخذوا آيات الله هزوًا، فكتابهم يأمرهم بإظهار العلم ونشره، فخالفوه وكذبوه. وهذا الرسول الخاتم يدعوهم إلى الله تعالى، ويأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر، وهم يكذبونه ويخالفونه ويجحدونه، ويكتمون صفته، فاستهزؤوا بآيات الله المنزلة على رسله؛ فلهذا استحقوا العذاب والنكال؛ ولهذا (٨) قال: (ذَلِكَ بِأَنَّ اللهَ نزلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ).
(١) صحيح البخاري برقم (٥٦٣٤) وصحيح مسلم برقم (٢٠٦٥) من حديث أم سلمة ﵂. (٢) في أ: "أي: لا يثني". (٣) زيادة من جـ، أ. (٤) زيادة من جـ، وصحيح مسلم. (٥) رواه مسلم في صحيحه رقم (١٠٧). (٦) في جـ، أ، و: "من". (٧) زيادة من أ. (٨) في جـ: "فلهذا".