للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

مسار الصفحة الحالية:

الحق الذي يعلمه العالم إلى الهوى؛ فإن العالم الحجة عليه أقوم من غيره. ولهذا قال مخاطبا للرسول، والمراد الأمة: (وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ) [البقرة: ١٤٥].

﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٤٦) الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (١٤٧)

يخبر تعالى (١) أنّ علماء أهل الكتاب يعرفون صِحّة ما جاءهم به الرسول [كما يعرفون أبناءهم] (٢) كما يعرف أحدُهم ولده، والعربُ كانت تضرب المثل في صحة الشيء بهذا، كما جاء في الحديث أن رسول الله قال لرجل معه صغير: "ابنك هذا؟ " قال: نعم يا رسول الله، أشهد به. قال: "أما إنه لا يَجْنِي عليك ولا تجْنِي عليه" (٣).

[قال القرطبي: ويروى أن عمر قال لعبد الله بن سلام: أتعرف محمدًا كما تعرف ولدك ابنك، قال: نعم وأكثر، نزل الأمين من السماء على الأمين، في الأرض بنعته فعرفته، وإني لا أدري ما كان من أمره. قلت: وقد يكون المراد (يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ) من بين أبناء الناس لا يشك أحد ولا يتمارى في معرفة ابنه إذا رآه من بين أبناء الناس كلهم] (٤).

ثم أخبر تعالى أنهم مع هذا التحقق (٥) والإتقان العلمي (لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ) أي: ليكتمون الناس ما في كتبهم من صفة النبي (وَهُمْ يَعْلَمُونَ)

ثم ثبّت تعالى نبيه (٦) والمؤمنين وأخبرهم بأن ما جاء (٧) به الرسول (٨) هو الحق الذي لا مرية فيه ولا شك، فقال: (الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ)

﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ أَيْنَمَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٤٨)

قال العوفي، عن ابن عباس: (وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا) يعني بذلك: أهل الأديان، يقول: لكل قبلة يرضونها، ووجهة الله حيث توجه المؤمنون.

وقال أبو العالية: لليهودي وجهة هو موليها، وللنصراني وجهة هو موليها، وهَداكم أنتم أيتها الأمة [الموقنون] (٩) للقبلة التي هي القبلة. وروي عن مجاهد، وعطاء، والضحاك، والربيع بن أنس، والسدي نحو هذا.


(١) في جـ: "يخبر ".
(٢) زيادة من ط.
(٣) رواه أحمد في المسند (٢/ ٢٢٦، ٢٢٨) وأبو داود في السنن برقم (٤٤٩٥).
(٤) زيادة من ج، ط، أ.
(٥) في جـ، ط، أ، و: "التحقيق".
(٦) في جـ: "النبي ".
(٧) في ط: "ما جاءهم به".
(٨) في جـ: "النبي".
(٩) زيادة من جـ.