للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

مسار الصفحة الحالية:

رسول الله فصلى نحو بيت المقدس، وترك البيت العتيق، ثم صرفه الله إلى بيته (١) العتيق ونسخها، فقال: ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُمَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ (٢).

وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قال: كان أول ما نسخ من القرآن القبلة. وذلك أن رسول لما هاجر إلى المدينة -وكان أهلُها اليهودَ-أمره الله أن يستقبل بيت المقدس. ففرحت اليهود فاستقبلها رسول الله بضعة عشر شهرا، وكان رسول الله يحب قبلة إبراهيم، فكان يدعو وينظر إلى السماء، فأنزل الله: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ [فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا](٣) إلى قوله: ﴿فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ فارتاب من ذلك اليهود، وقالوا: ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها، فأنزل الله: ﴿قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ [يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ](٤) وقال: (فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ)

وقال عكرمة عن ابن عباس: (فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ) قال: قبلة الله أينما توجهت شرقًا أو غربًا. وقال مجاهد: (فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ) [قال: قبلة الله] (٥) حيثما كنتم فلكم قبلة تستقبلونها: الكعبة.

وقال ابن أبي حاتم بعد روايته الأثر المتقدم، عن ابن عباس، في نسخ القبلة، عن عطاء، عنه: وروي عن أبي العالية، والحسن، وعطاء الخراساني، وعكرمة، وقتادة، والسدي، وزيد بن أسلم، نحو ذلك.

وقال ابن جرير: وقال آخرون: بل أنزل الله هذه الآية قبل أن يفرض التوجه إلى الكعبة، وإنما أنزلها (٦) تعالى ليعلم نبيه وأصحابه أن لهم التوجه بوجوههم للصلاة، حيث شاؤوا من نواحي المشرق والمغرب؛ لأنهم لا يوجهون وجوههم وجهًا من ذلك وناحية إلا كان جل ثناؤه في ذلك الوجه (٧) وتلك الناحية؛ لأن له تعالى المشارق والمغارب، وأنه لا يخلو منه مكان، كما قال تعالى: ﴿وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾ [المجادلة: ٧] قالوا: ثم نسخ ذلك بالفرض الذي فَرَضَ عليهم التوجُّهَ إلى المسجد الحرام.

هكذا قال، وفي قوله: "وإنه تعالى لا يخلو منه مكان": إن أراد علمه تعالى فصحيح؛ فإن علمه تعالى محيط بجميع المعلومات، وأما ذاته تعالى فلا تكون محصورة في شيء من خلقه، تعالى الله


(١) في جـ، أ، و: "البيت".
(٢) ورواه ابن أبي حاتم في تفسيره (١/ ٣٤٦) من طريق حجاج بن محمد به، ورواه الحاكم في المستدرك (٢/ ٢٦٧) من طريق ابن جريج عن عطاء به وقال: "هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه بهذا السياق".
(٣) زيادة من جـ.
(٤) زيادة من جـ، ط.
(٥) زيادة من جـ.
(٦) في جـ: "أنزلها الله".
(٧) في أ: "التوجيه".