للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

مسار الصفحة الحالية:

وكذا قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، بنحو من هذا.

قال ابن جرير: والصواب من القول في ذلك عندنا: أن الله نهى المؤمنين أن يقولوا لنبيه : راعنا؛ لأنها كلمة كرهها الله تعالى أن يقولها لنبيه ، نظير الذي ذكر عن النبي أنه قال: "لا تقولوا للعنب الكرم، ولكن قولوا: الحَبَلَة. ولا تقولوا: عبدي، ولكن قولوا: فتاي". وما أشبه ذلك.

وقوله تعالى: (مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنزلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ) يبين بذلك تعالى شدة عداوة (١) الكافرين من أهل الكتاب والمشركين، الذين حذر تعالى من مشابهتهم للمؤمنين؛ ليقطع المودة بينهم وبينهم. وينبِّه تعالى على ما أنعم به على المؤمنين من الشرع التام الكامل، الذي شرعه لنبيهم محمد ، حيث يقول تعالى: (وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ)

﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٠٦) أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ (١٠٧)

قال ابن أبي طلحة، عن ابن عباس: (مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ) ما نبدل من آية.

وقال ابن جُرَيج، عن مجاهد: (مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ) أي: ما نمح من آية.

وقال ابن أبي نَجِيح، عن مجاهد: (مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ) قال: نثبت خطها ونبدل حكمها. حَدَّث به عن أصحاب عبد الله بن مسعود.

قال ابن أبي حاتم: وروي عن أبي العالية، ومحمد بن كعب القرظي، نحو ذلك.

وقال الضحاك: (مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ) ما نُنْسِكَ. وقال عطاء: أما (مَا نَنْسَخْ) فما نترك (٢) من القرآن. قال ابن أبي حاتم: يعني: تُرِكَ فلم ينزل على محمد .

وقال السدي: (مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ) نسخها: قبضها. وقال ابن أبي حاتم: يعني: قبضها: رفعها، مثل قوله: الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة. وقوله: "لو كان لابن آدم واديان من مال لابتغى لهما ثالثًا".

وقال ابن جرير: (مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ) ما ينقل من حكم آية إلى غيره فنبدله ونغيره، وذلك أن يُحوَّل الحلالُ حرامًا والحرام حلالا والمباح محظورًا، والمحظور مباحًا. ولا يكون ذلك إلا في الأمر والنهي والحظر والإطلاق والمنع والإباحة. فأما الأخبار فلا يكون فيها ناسخ ولا منسوخ. وأصل النسخ من نسخ الكتاب، وهو نقله من نسخة أخرى إلى غيرها، فكذلك معنى نسخ الحكم إلى غيره،


(١) في أ: "شدة عداوته".
(٢) في أ: "فما ترك".