ومن ها هنا ذهب الشافعي -في أحد قوليه-إلى وجوب الإشهاد في الرجعة، كما يجب عنده في ابتداء النكاح. وقد قال بهذا طائفة من العلماء، ومن قال بهذا يقول: إن الرجعة لا تصح إلا بالقول ليقع الإشهاد عليها.
وقوله:(وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ) أي: ومن يتق الله فيما أمره به، وتَرَك ما نهاه عنه، يجعل له من أمره مخرجًا، ويرزقه من حيث لا يحتسب، أي: من جهة لا تخطر بباله.
قال الإمام أحمد: حدثنا يزيد، أخبرنا كَهمس بن الحسن، حدثنا أبو السليل، عن أبي ذر قال: جعل رسول الله ﷺ يتلو عَلَيَّ هذه الآية: (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ) حتى فرغ من الآية، ثم قال:"يا أبا ذر، لو أن الناس كلهم أخذوا بها كفتهم". وقال: فجعل يتلوها ويُرددها علي حتى نَعَست، ثم قال:"يا أبا ذر، كيف تصنع إن (١) أخرجت من المدينة؟. "قلت: إلى السعة والدّعة (٢) أنطلق، فأكون حمامة من حمام مكة. قال:"كيف تصنع إن أخرجت من مكة؟ ". قال: قلت: إلى السعة والدّعة، وإلى الشام والأرض المقدسة. قال:"وكيف تصنع إن أخرجتَ من الشام؟ ". قلت: إذا -والذي بعثك بالحق (٣) -أضع سيفي على عاتقي. قال:"أوخير من ذلك؟ ". قلت: أوخير من ذلك؟ قال:"تسمع وتطيع، وإن كان عبدًا حبشيًّا"(٤)
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن منصور الرمادي، حدثنا يعلى بن عبيد، حدثنا زكريا، عن عامر، عن شُتَير (٥) بن شكَل قال: سمعت عبد الله بن مسعود يقول: إن أجمع آية في القرآن: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ﴾ [النحل: ٩٠] وإن أكثر آية في القرآن فرجًا: (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا)
وفي المسند: حدثني مهدي بن جعفر، حدثنا الوليد بن مسلم، عن الحكم بن مصعب، عن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس، عن أبيه، عن جده عبد الله بن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: "من أكثر من الاستغفار جعل الله له من كل هَمٍّ فرجًا، ومن كل ضيق مخرجًا، ورزقه من حيث لا يحتسب"(٦)
وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس:(وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا) يقول: ينجيه من كل كرب في الدنيا والآخرة، (وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ)
وقال الربيع بن خثيم:(يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا) أي: من كل شيء ضاق على الناس.
وقال عكرمة: من طلق كما أمره الله يجعل له مخرجًا. وكذا روي عن ابن عباس، والضحاك.
(١) في م: "إذا". (٢) في م: "إلى الدعة والسعة". (٣) في أ: "بالحق نبيا". (٤) المسند (٥/ ١٧٨). (٥) في أ: "عن بسر". (٦) المسند (١/ ٢٤٨).