[وسميت هذه المباهلة تمنيًا؛ لأن كل محق يود لو أهلك الله المبطل المناظر له ولا سيما إذا كان في ذلك حجة له فيها بيان حقه وظهوره، وكانت المباهلة بالموت؛ لأن الحياة عندهم عظيمة عزيزة لما يعلمون من سوء مآلهم بعد الموت](٢).
ولهذا قال تعالى:(وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ* وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ): أي: [أحرص الخلق على حياة أي](٣): على طول عُمْر، لما يعلمون من مآلهم السيئ وعاقبتهم عند الله الخاسرة؛ لأن الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر، فهم يودون لو تأخروا عن مقام الآخرة بكل ما أمكنهم. وما يحذرون (٤) واقع بهم لا محالة، حتى وهم أحرص [الناس](٥) من المشركين الذين لا كتاب لهم. وهذا من باب عطف الخاص على العام.
قال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن سنان، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن سفيان، عن الأعمش، عن مسلم البطين، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس:(وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا) قال: الأعاجم.
ورواه الحاكم في مستدركه من حديث الثوري، وقال: صحيح على شرطهما، ولم يخرجاه. قال: وقد اتفقا على سند تفسير الصحابي (٦). وقال الحسن البصري:(وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ) قال: المنافق أحرص الناس على حياة، وهو أحرص على الحياة من المشرك (يَوَدُّ أَحَدُهُمْ) أي: أحد اليهود كما يدل عليه نظم السياق.
وقال أبو العالية:(يَوَدُّ أَحَدُهُمْ) يعني: المجوس، وهو يرجع إلى الأول.
(لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ) قال الأعمش، عن مسلم البطين، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس:(يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ) قال: هو كقول الفارسي: "زه هزارسال" يقول: عشرة آلاف سنة. وكذا روي عن سعيد بن جبير نفسه أيضًا.
وقال ابن جرير: حدثنا محمد بن علي بن الحسن بن شقيق قال: سمعت أبي يقول: حدثنا أبو حمزة، عن الأعمش، عن مجاهد، عن ابن عباس، في قوله تعالى:(يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ) قال: هو قول الأعاجم: "هزارسال نوروز مهرجان".
وقال مجاهد:(يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ) قال: حببت إليهم الخطيئة طول العمر.
(١) في جـ، ط، ب: "التابعة"، وفي أ: "البالغة". (٢) زيادة من جـ، ط، ب، أ، و. (٣) زيادة من جـ، ب، أ، و. (٤) في أ: "وما يجدون". (٥) زيادة من ط. (٦) تفسير ابن أبي حاتم (١/ ٢٨٦) والمستدرك (٢/ ٢٦٣).