يقول تعالى مخبرا عن فرعون وتمرده وعتوه وكفره وعناده: أنه جمع قومه، فنادى فيهم متبجحا مفتخرا بملك مصر وتصرفه فيها:(أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الأنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي)، قال قتادة قد كانت لهم جنان وأنهار ماء، (أَفَلا تُبْصِرُونَ)؟ أي: أفلا ترون ما أنا فيه من العظمة والملك، يعني: وموسى وأتباعه (١) فقراء ضعفاء. وهذا كقوله تعالى: ﴿فَحَشَرَ فَنَادَى * فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى * فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الآخِرَةِ وَالأُولَى﴾ [النازعات: ٢٣ - ٢٥].
وقوله:(أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ) قال السدي: يقول: بل أنا خير من هذا الذي هو مهين. وهكذا قال بعض نحاة البصرة: إن "أم" هاهنا بمعنى "بل". ويؤيد هذا ما حكاه الفراء عن بعض القراء أنه قرأها:"أما أنا خير من هذا الذي هو مهين". قال ابن جرير: ولو صحت هذه القراءة لكان معناها صحيحا واضحا، ولكنها خلاف قراءة الأمصار، فإنهم قرؤوا:(أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ)؟ على الاستفهام.
قلت: وعلى كل تقدير فإنما يعني فرعون -عليه اللعنة (٢) -أنه خير من موسى، ﵇، وقد كذب في قوله هذا كذبا بينا واضحا، فعليه لعائن الله المتتابعة إلى يوم القيامة.
ويعني بقوله:(مهين) كما قال سفيان: حقير. وقال قتادة والسدي: يعني: ضعيف. وقال ابن جرير: يعني: لا ملك له ولا سلطان ولا مال.
(وَلا يَكَادُ يُبِينُ) يعني: لا يكاد يفصح عن كلامه (٣)، فهو عيي حصر. (٤)
قال السدي:(وَلا يَكَادُ يُبِينُ) أي: لا يكاد يفهم. وقال قتادة، والسدي، وابن جرير: يعني عيي اللسان. وقال سفيان: يعني في لسانه شيء من الجمرة حين (٥) وضعها في فيه وهو صغير.
وهذا الذي قاله فرعون -لعنه الله-كذب واختلاق، وإنما حمله على هذا الكفر والعناد، وهو ينظر إلى موسى، ﵇، بعين كافرة شقية، وقد كان موسى (٦)، ﵇، من الجلالة والعظمة والبهاء في صورة يبهر (٧) أبصار ذوي [الأبصار و](٨) الألباب. وقوله:(مهين) كذب، بل هو المهين الحقير خِلْقةً وخلقا ودينا. وموسى [﵇](٩) هو الشريف الرئيس الصادق البار
(١) في أ: "ومن معه". (٢) في ت، م، أ: "لعنة الله". (٣) في ت: "بكلامه". (٤) في ت، أ: "حصير". (٥) في ت: "التي". (٦) في ت: "لموسى". (٧) في ت، م: "تبهر". (٨) زيادة من ت. (٩) زيادة من ت، م.