فقال قائلون: يجوز ذلك، واحتجوا بقوله:(هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ)، وبقوله ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ﴾ [البقرة: ١٥٧]، وبقوله تعالى ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا (١) وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ [التوبة: ١٠٣]، وبحديث عبد الله بن أبي أوْفَى قال: كان رسول الله ﷺ إذا أتاه قوم بصدقتهم قال: "اللهم صل عليهم". وأتاه أبي بصدقته فقال:"اللهم صل على آل أبي أوفى". أخرجاه في الصحيحين. وبحديث جابر: أن امرأته قالت: يا رسول الله، صل عَلَيَّ وعلى زوجي. فقال:"صلى الله عليكِ وعلى زوجك"(٢).
وقال الجمهور من العلماء: لا يجوز إفراد غير الأنبياء بالصلاة؛ لأن هذا قد صار شعارا للأنبياء إذا ذكروا، فلا يلحق بهم غيرهم، فلا يقال:"قال أبو بكر صلى الله عليه". أو:"قال علي صلى الله عليه". وإن كان المعنى صحيحا، كما لا يقال:"قال محمد، ﷿"، وإن كان عزيزا جليلا؛ لأن هذا من شعار ذكر الله، ﷿. وحملوا ما ورد في ذلك من الكتاب والسنة على الدعاء لهم؛ ولهذا لم يثبت شعارا لآل أبي أوفى، ولا لجابر وامرأته. وهذا مسلك حسن.
وقال آخرون: لا يجوز ذلك؛ لأن الصلاة على غير الأنبياء قد صارت من شعار أهل الأهواء، يصلون على من يعتقدون فيهم، فلا يقتدى بهم في ذلك، والله أعلم.
ثم اختلف المانعون من ذلك: هل هو من باب التحريم، أو الكراهة التنزيهية، أو خلاف الأولى؟ على ثلاثة أقوال، حكاه الشيخ أبو زكريا النووي في كتاب الأذكار. ثم قال: والصحيح الذي عليه الأكثرون أنه مكروه كراهة تنزيه؛ لأنه شعار أهل البدع، وقد نهينا عن شعارهم، والمكروه هو ما ورد فيه نهي مقصود. قال أصحابنا: والمعتمد في ذلك أن الصلاة صارت مخصوصة في اللسان (٣) بالأنبياء، صلوات الله وسلامه عليهم، كما أن قولنا:"﷿"، مخصوص بالله ﷾، فكما لا يقال:"محمد ﷿"، وإن كان عزيزا جليلا لا يقال:"أبو بكر -أو: علي -صلى الله عليه". هذا لفظه بحروفه. قال: وأما السلام فقال الشيخ أبو محمد الجُوَيني من أصحابنا: هو في معنى الصلاة، فلا يستعمل في الغائب، ولا يفرد به غير الأنبياء، فلا يقال:"علي ﵇"، وسواء في هذا الأحياء والأموات، وأما الحاضر فيخاطب به، فيقال: سلام عليكم، أو سلام عليك، أو السلام عليك أو عليكم. وهذا مجمع عليه. انتهى ما ذكره (٤).
قلت: وقد غلب هذا في عبارة كثير من النساخ للكتب، أن يفرد علي، ﵁، بأن يقال:"﵇"، من دون سائر الصحابة، أو:"كرم الله وجهه" وهذا وإن كان معناه
(١) في ت، ف: "تطهرهم بها وتزكيهم" وهو خطأ. (٢) تقدم تخريج هذين الحديثين في هذه السورة. (٣) في ت، ف، أ: "في لسان السلف". (٤) الأذكار ص (١٥٩، ١٦٠).