وقد عظم الله ﵎ ذلك، وشدد فيه وتوعد عليه بقوله:(إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا)، ثم قال:(إِنْ تُبْدُوا شَيْئًا أَوْ تُخْفُوهُ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا) أي: مهما تكنه ضمائركم وتنطوي عليه سرائركم، فإن الله (٣) يعلمه؛ فإنه لا تخفى (٤) عليه خافية، ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ [غافر: ١٩].
لما أمر تعالى النساء بالحجاب من الأجانب، بيَّن أن هؤلاءالأقارب لا يجب الاحتجاب منهم، كما استثناهم في سورة النور، عند قوله: ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ﴾ إلى آخرها، [النور: ٣١]، وفيها زيادات على هذه. وقد تقدم تفسيرها والكلام عليها بما أغنى عن إعادته. وقد سأل بعض السلف فقال: لِم لَمْ يذكر العم والخال في هاتين الآيتين؟ فأجاب عكرمة والشعبي: بأنهما لم يذكرا؛ لأنهما قد يصفان ذلك لبنيهما. قال ابن جرير: حدثني محمد بن المثنى، حدثنا حجاج بن مِنْهال، حدثنا حماد، حدثنا داود، عن الشعبي وعكرمة في قوله:(لا جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبَائِهِنَّ وَلا أَبْنَائِهِنَّ وَلا إِخْوَانِهِنَّ وَلا أَبْنَاءِ إِخْوَانِهِنَّ وَلا أَبْنَاءِ أَخَوَاتِهِنَّ وَلا نِسَائِهِنَّ وَلا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ) قلت: ما شأن العم والخال لم يذكرا؟ قالا هما (٥) ينعتانهالأبنائهما. وكرها أن تضع خمارها عند خالها وعمها.
وقوله:(وَلا نِسَائِهِنَّ): يعني بذلك: عَدَم الاحتجاب من النساء المؤمنات.
وقوله:(وَلا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ) يعني به: أرقاءَهن من الذكور والإناث، كما تقدم التنبيه عليه، وإيراد الحديث فيه (٦).
قال سعيد بن المسيب: إنما يعني به: الإماء فقط. رواه ابن أبي حاتم.
وقوله:(وَاتَّقِينَ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا) أي: واخشينه في الخلوة والعلانية، فإنه شهيد على كل شيء، لا تخفى عليه خافية، فراقبن الرقيب.
(١) في ت، ف: "عنه". (٢) تفسير الطبري (٢٢/ ٢٩). (٣) في ف: "فإنه". (٤) في ت، ف: "لا يخفى". (٥) في أ: "لأنهما". (٦) تقديم تخريج الحديث عند تفسير الآية: ٣١ من سورة النور.