والمعنى على ذلك لأن موسى،﵇ يقول لهم: هذا الذي سألتم ليس بأمر عزيز، بل هو كثير في أي بلد دخلتموه وجدتموه، فليس يساوي مع دناءته وكثرته في الأمصار أن أسأل الله فيه؛ ولهذا قال:(أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ) أي: ما طلبتم، ولما كان سؤالهم (١) هذا من باب البطر والأشر ولا ضرورة فيه، لم يجابوا إليه، والله أعلم (٢).
يقول تعالى:(وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ) أي: وضعت عليهم وألزموا بها شَرْعًا وقدرًا، أي: لا يزالون مستذلين، من وجدهم استذلهم وأهانهم، وضرب عليهم الصغار، وهم مع ذلك في أنفسهم أذلاء متمسكنون (٣).
قال الضحاك عن ابن عباس في قوله:(وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ) قال: هم أصحاب النيالات (٤) يعني أصحاب الجزية.
وقال عبد الرزاق، عن مَعْمَر، عن الحسن وقتادة، في قوله تعالى:(وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ) قال: يعطون الجزية عن يد وهم صاغرون (٥)، وقال الضحاك:(وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ) قال: الذل. وقال الحسن: أذلهم الله فلا منعة لهم، وجعلهم الله تحت أقدام المسلمين. ولقد أدركتهم هذه الأمة وإن المجوس لتجبيهم الجزية.
وقال أبو العالية والربيع بن أنس والسدي: المسكنة الفاقة. وقال عطية العوفي: الخراج. وقال الضحاك: الجزية.
وقوله تعالى:(وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ) قال الضحاك: استحقوا الغضب من الله، وقال الربيع بن أنس: فحدَثَ عليهم غضب من الله. وقال سعيد بن جبير:(وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ) يقول: استوجبوا سخطًا، وقال ابن جرير: يعني بقوله: (وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ) انصرفوا ورجعوا، ولا يقال: باؤوا إلا موصولا إما بخير وإما بشر، يقال منه: باء فلان بذنبه يبوء به بَوْءًا وبواء. ومنه قوله تعالى: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ﴾ [المائدة: ٢٩] يعني: تنصرف متحملهما وترجع بهما، قد صارا عليك دوني. فمعنى الكلام إذًا: فرجعوا منصرفين متحملين غضب الله، قد صار عليهم من الله غضب، ووجب عليهم من الله سخط.
(١) في جـ، ط: "كان سألهم". (٢) في جـ: " والله ﵎ أعلم ". (٣) في جـ: "مستذلين"، وفي ط، أ، و: "مستكينين". (٤) في جـ، طـ، و: "القبالات"، وفي أ: "السالات". (٥) تفسير عبد الرزاق (١/ ٦٩).