واختلف في تفضيلها على عائشة على ثلاثة أقوال، ثالثها الوقف.
وسئل شيخنا أبو العباس بن تيمية عنهما فقال: اختصت كل واحدة منهما بخاصية، فخديجة كان تأثيرها في أول الإسلام، وكانت تُسلِّي رسول الله ﷺ وتثبته، وتسكنه، وتبذل دونه مالها، فأدركت غُرة الإسلام، واحتملت الأذى في الله وفي رسوله وكان نصرتها للرسول في أعظم أوقات الحاجة، فلها من النصرة والبذل ما ليس لغيرها. وعائشة تأثيرها في آخر الإسلام، فلها من التفقه في الدين وتبليغه إلى الأمة، وانتفاع بنيها بما أدَّت إليهم من العلم، ما ليس لغيرها. هذا معنى كلامه، ﵁.
ومن خصائصها: أن الله، سبحانه، بعث إليها السلام مع جبريل، فبلغها رسول الله ﷺ ذلك. روى البخاري في صحيحه عن أبي هريرة، ﵁، قال: أتى جبريل، ﵇، النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، هذه خديجة، قد أتت معها إناء فيه إدام أو طعام أو شراب، فإذا هي أتتك فأقرئها السلام من ربها ومني، وبشرها ببيت في الجنة، من قَصَب، لا صَخَب فيه ولا نَصَب (١) وهذه لعَمْر الله خاصة، لم تكن لسواها. وأما عائشة، ﵂، فإن جبريل سلَّم عليها على لسان النبي ﷺ، فروى البخاري بإسناده أن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ يومًا: "يا عائشة، هذا جبريل يقرئك السلام". فقلت: وعليه السلام ورحمة الله وبركاته، ترى ما لا أرى، تريد رسول الله ﷺ(٢). ومن خواص خديجة،﵂: أنه لم تسوءه قط، ولم تغاضبه، ولم ينلها منه إيلاءً، ولا عتب قط، ولا هجر، وكفى بهذه منقبة وفضيلة.
ومن خواصها: أنها أول امرأة آمنت بالله ورسوله من هذه الأمة.
فصل:
فلمَّا توفاها الله تزوج بعدها سودة بنت زمعة، ﵂، وهي سودة بنت زمعة بن قيس بن عبد شمس بن عبد ود بن نصر بن مالك بن جبل بن عامر بن لؤي، وكبرت عنده، وأراد طلاقها فوهبت يومها لعائشة، فأمسكها. وهذا من خواصها: أنها آثرت بيومها حب النبي ﷺ تقربًا إلى رسول الله ﷺ، وحبا له، وإيثارا لمقامها معه، فكان يقسم لعائشة يومها ويوم سودة، ويقسم لنسائه، ولا يقسم لها وهي راضية بذلك مؤثرة، لترضي رسول الله ﷺ.
وتزوج الصديقة بنت الصديق عائشة بنت أبي بكر، ﵄، وهي بنت ست سنين قبل الهجرة بسنتين، وقيل: بثلاث، وبنى بها بالمدينة أول مقدمه في السنة الأولى، وهي بنت تسع، ومات عنها وهي بنت ثمان عشرة، وتوفيت بالمدينة، ودفنت بالبقيع، وأوصت أن يصلي عليها أبو هريرة سنة ثمان وخمسين، ومن خصائصها: أنها كانت أحب أزواج رسول الله ﷺ إليه، كما ثبت ذلك عنه في البخاري وغيره، أنه سئل أي الناس أحب إليك؟ قال:"عائشة". قيل: فمن الرجال؟ قال:"أبوها"(٣).
ومن خصائصها أيضا: أنه لم يتزوج بكرا غيرها.
ومن خصائصها: أنه كان ينزل عليه الوحي وهو
(١) صحيح البخاري برقم (٣٨٢٠). (٢) صحيح البخاري برقم (٣٧٦٨). (٣) لم أقف عليه في صحيح البخاري. وهو في سنن الترمذي برقم (٣٨٧٩) من حديث عمرو بن العاص، ﵁