لما أخبرتني بالذي حملك على ما قلت؟ فقالت: أما إذ نَشَدْتَني فإن قارون أعطاني كذا وكذا، على أن أقول لك، وأنا أستغفر الله وأتوب إليه. فعند ذلك خَرّ موسى لله ﷿ ساجدًا، وسأل الله في قارون. فأوحى الله إليه أني قد أمرت الأرض أن تطيعك فيه، فأمر موسى الأرض أن تبتلعه وداره فكان (١) ذلك.
وقيل: إن قارون لما خرج على قومه في زينته تلك، وهو راكب على البغال الشّهب، وعليه وعلى خدمه الثياب الأرجوان الصّبغة (٢)، فمر في جَحْفَله ذلك على مجلس نبي الله موسى ﵇، وهو يذكرهم بأيام الله. فلما رأى الناس قارون انصرفت وجوه الناس حوله، ينظرون إلى ما هو فيه. فدعاه موسى ﵇، وقال: ما حملك على ما صنعت؟ فقال: يا موسى، أما لئن كنت فُضِّلتَ عَلَيَّ بالنبوة، فلقد فضلت عليك بالدنيا، ولئن شئت لنخرجن، فلتدعون عليّ وأدعو عليك. فخرج وخرج قارون في قومه، فقال موسى (٣): تدعو أو أدعو أنا؟ قال: بل أنا أدعو. فدعا قارون فلم يجب له، ثم قال موسى (٤): أدعو؟ قال: نعم. فقال موسى: اللهم، مُر الأرض أن تطيعني (٥) اليوم. فأوحى الله إليه أني قد فعلت، فقال موسى: يا أرض، خذيهم. فأخذتهم إلى أقدامهم. ثم قال: خذيهم. فأخذتهم إلى ركبهم، ثم إلى مناكبهم. ثم قال: أقبلي بكنوزهم وأموالهم. قال: فأقبلت بها حتى نظروا إليها. ثم أشار موسى بيده فقال: اذهبوا بني لاوى (٦) فاستوت بهم الأرض.
وعن ابن عباس أنه قال: خُسف بهم إلى الأرض السابعة.
وقال قتادة: ذكر لنا أنه يخسف بهم كل يوم قامة، فهم يتجلجلون فيها إلى يوم القيامة.
وقد ذكر ها هنا إسرائيليات [غريبة](٧) أضربنا عنها صفحًا.
وقوله:(فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ) أي: ما أغنى عنه مالُه، وما جَمَعه، ولا خدمه و [لا](٨) حشمه. ولا دفعوا عنه نقمة الله وعذابه ونكاله [به](٩)، ولا كان هو في نفسه منتصرًا لنفسه، فلا ناصر له [لا](١٠) من نفسه، ولا من غيره.
وقوله تعالى:(وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالأمْسِ) أي: الذين لما رأوه في زينته قالوا ﴿يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾، فلما خسف به أصبحوا يقولون:(وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ) أي: ليس المال بدالّ على رضا الله عن صاحبه [وعن عباده](١١)؛ فإن الله يعطي ويمنع، ويضيق ويوسع، ويخفض ويرفع، وله الحكمة التامة والحجة البالغة. وهذا كما في الحديث المرفوع عن ابن مسعود:"إن الله قسم بينكم أخلاقكم، كما قسم أرزاقكم وإن الله يعطي المال من يحب، ومن لا يحب، ولا يعطي الإيمان إلا من يحب"(١٢).
(لَوْلا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا) أي: لولا لُطف الله بنا وإحسانه إلينا لخسف بنا، كما خسف
(١) في ف، أ: "وكان". (٢) في ت، ف، أ: "المصبغة". (٣) في ت: "ﷺ". وفي ف، أ: "﵇". (٤) في ف، أ: "قال: يا موسى". (٥) في ت: "فلتطعني". (٦) في أ: "اذهبوا به لا أرى". (٧) زيادة من ت، ف. (٨) زيادة من ت، ف. (٩) زيادة من أ. (١٠) زيادة من أ. (١١) زيادة من أ. (١٢) المسند (١/ ٣٨٧).