وقوله:(وَاتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالْجِبِلَّةَ الأوَّلِينَ): يخوفهم بأس الله الذي خلقهم وخلق آباءهم الأوائل، كما قال موسى،﵇: ﴿رَبَّكُمْ وَرَبَّ آبَائِكُمُ الأَوَّلِينَ﴾ [الصافات: ١٢٦]. قال ابن عباس، ومجاهد، والسُّدَّي، وسفيان بن عيينة، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم:(وَالْجِبِلَّةَ الأوَّلِينَ) يقول: خلق الأولين. وقرأ ابن زيد: ﴿وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلا كَثِيرًا﴾ [يس: ٦٢].
يخبر تعالى عن جواب قومه له بمثل ما أجابت به ثمود لرسولها (٢) -تشابهت قلوبهم -حيث قالوا:(إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ) يعنون: من المسحورين، كما تقدم.
(وَمَا أَنْتَ إِلا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ) أي: تتعمد الكذب فيما تقوله، لا أن الله أرسلك إلينا.
(فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ): قال الضحاك: جانبا من السماء. وقال قتادة: قطعا من السماء. وقال السدي: عذابًا من السماء. وهذا شبيه بما قالت قريش فيما أخبر الله عنهم في قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأَرْضِ يَنْبُوعًا﴾، إلى أن قالوا: ﴿أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلا﴾ [الإسراء: ٩٠ - ٩٢]. وقوله: ﴿وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأنفال: ٣٢]، وهكذا قال هؤلاء الكفرة الجهلة:(فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ).
(قَالَ رَبِّي أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ) يقول: الله أعلم بكم، فإن كنتم تستحقون ذلك جازاكم به غير ظالم لكم، وكذلك وقع بهم كما سألوا، جزاءً وفاقًا؛ ولهذا قال تعالى:(فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ) وهذا من جنس ما سألوا، من إسقاط الكسف عليهم، فإن الله، ﷾، جعل عقوبتهم (٣) أن أصابهم حر شديد جدا مدة سبعة أيام لا يَكُنُّهم منه شيء، ثم
(١) زيادة من ف، أ. (٢) في ف، أ: "لرسلها". (٣) في أ: "عقوبته".