وقال الإمام أحمد: حدثنا مروان بن معاوية الفزاري، أنبأنا سفيان بن زياد، عن فاتك بن فضالة، عن أيمن بن خريم قال: قام رسول الله ﷺ خطيبًا فقال: "يا أيها الناس، عدلت شهادة الزور إشراكا بالله" ثلاثا، ثم قرأ: (فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ)
وهكذا رواه الترمذي، عن أحمد بن منيع، عن مروان بن معاوية، به (١) ثم قال: "غريب، إنما نعرفه من حديث سفيان بن زياد. وقد اختلف عنه في رواية هذا الحديث، ولا نعرف لأيمن بن خريم سماعا من النبي ﷺ".
وقال الإمام أحمد أيضا: حدثنا محمد بن عبيد، حدثنا سفيان العُصْفُرِيّ، عن أبيه، عن حبيب ابن النعمان الأسدي، عن خريم بن فاتك (٢) الأسدي قال: صلى رسول الله ﷺ الصبح، فلما انصرف قام قائما فقال: "عدلت شهادة الزور الإشراك بالله، ﷿"، ثم تلا هذه الآية: (فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ * حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ) (٣).
وقال سفيان الثوري، عن عاصم بن أبي النجود، عن وائل بن ربيعة، عن ابن مسعود أنه قال: تعدل شهادة الزور بالشرك بالله، ثم قرأ هذه الآية (٤).
﴿حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ (٣١)﴾.
وقوله: (حُنَفَاءَ لِلَّهِ) أي: مخلصين له الدين، منحرفين عن الباطل قصدا إلى الحق؛ ولهذا قال (غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ)
ثم ضرب للمشرك مثلا في ضلاله وهلاكه وبعده عن الهدى فقال: (وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ) أي: سقط منها، (فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ)، أي: تقطعه الطيور في الهواء، (أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ) أي: بعيد مهلك لمن هوى فيه؛ ولهذا جاء في حديث البراء: "إن الكافر إذا توفته ملائكة الموت، وصعدوا بروحه إلى السماء، فلا تفتح له أبواب السماء، بل تطرح روحه طرحا من هناك". ثم قرأ هذه الآية، وقد تقدم الحديث في سورة "إبراهيم" (٥) بحروفه وألفاظه وطرقه.
وقد ضرب [الله] (٦) تعالى للمشرك مثلا آخر في سورة "الأنعام"، وهو قوله: ﴿قُلْ أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُنَا وَلا يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى [وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ] (٧)﴾ [الأنعام: ٧١].
﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ (٣٢) لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ (٣٣)﴾.
(١) المسند (٤/ ١٧٨) وسنن الترمذي برقم (٢٢٩٩).
(٢) في ت: "مقاتل".
(٣) المسند (٤/ ٣٢١).
(٤) تفسير الطبري (١٧/ ١١٢).
(٥) انظر تفسير الآية: ٢٧
(٦) زيادة من أ.
(٧) زيادة من ف، أ، وفي الأصل: "الآية".