للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

مسار الصفحة الحالية:

الصديقون والشهداء، والصالحون والعباد، والزهاد والأولياء، والأبرار والمقربون، والعلماء العاملون والخاشعون، والمحبون له المتبعون رسله، صلوات الله وسلامه عليهم.

وقد ثبت في الصحيح (١): أن الملائكة إذا صعدت إلى الرب تعالى بأعمال عباده سألهم وهو أعلم: كيف تركتم عبادي؟ فيقولون: أتيناهم وهم يصلون وتركناهم وهم يصلون. وذلك لأنهم يتعاقبون فينا ويجتمعون في صلاة الصبح وصلاة العصر، فيمكث هؤلاء ويصعد أولئك بالأعمال كما قال : "يرفع إليه عمل الليل قبل النهار، وعمل النهار قبل الليل" فقولهم: أتيناهم وهم يصلون وتركناهم وهم يصلون من تفسير قوله: (إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ) وقيل: معنى قوله جوابًا لهم: (إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ) أن لي حكمة مفصلة في خلق هؤلاء والحالة ما ذكرتم لا تعلمونها، وقيل: إنه جواب لقولهم: (وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ) فقال: (إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ) أي: من وجود إبليس بينكم وليس هو كما وصفتم أنفسكم به. وقيل: بل تضمن قولهم: (أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ) طلبًا منهم أن يسكنوا الأرض بدل بني آدم، فقال الله تعالى لهم: (إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ) من أن بقاءكم في السماء أصلح لكم وأليق بكم. ذكرها فخر الدين مع غيرها من الأجوبة، والله أعلم.

ذكر أقوال المفسرين ببسط ما ذكرناه:

قال ابن جرير: حدثني القاسم بن الحسن قال: حدثنا الحسين قال: حدثني الحجاج، عن جرير بن حازم، ومبارك، عن الحسن وأبي بكر، عن الحسن وقتادة، قالوا: قال الله للملائكة: (إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأرْضِ خَلِيفَةً) قال لهم: إني فاعل. وهذا معناه أنه أخبرهم بذلك.

وقال السدي: استشار الملائكة في خلق آدم. رواه ابن أبي حاتم، قال (٢): وروي عن قتادة نحوه. وهذه العبارة إن لم ترجع إلى معنى الإخبار ففيها تساهل، وعبارة الحسن وقتادة في رواية ابن جرير أحسن، والله أعلم.

(فِي الأرْضِ) قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو سلمة، حدثنا حماد (٣) حدثنا عطاء بن السائب، عن عبد الرحمن بن سابط أن رسول الله (٤) قال: "دُحِيت الأرض من مكة، وأول من طاف بالبيت الملائكة، فقال الله: إني جاعل في الأرض خليفة، يعني مكة" (٥).

وهذا مرسل، وفي سنده ضعف، وفيه مُدْرَج، وهو أن المراد بالأرض مكة، والله أعلم، فإن الظاهر أن المراد بالأرض أعم من ذلك.

(خَلِيفَةً) قال السدي في تفسيره عن أبي مالك وعن أبي صالح، عن ابن عباس -وعن مرة، عن ابن مسعود، وعن ناس من الصحابة أن الله تعالى قال للملائكة: (إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأرْضِ خَلِيفَةً)


(١) صحيح مسلم برقم (٦٣٢) من حديث أبي هريرة .
(٢) في جـ، ط: "وقال".
(٣) في جـ: "أحمد".
(٤) في جـ، ط، ب: "النبي".
(٥) تفسير ابن أبي حاتم (١/ ١٠٨).