وعن شعبة، عن العوام بن مُزَاحم، عن أبي عثمان، عن عثمان بن عفان، ﵁؛ أن رسول الله ﷺ قال: "إن الجَمَّاء لتقتص من القرناء يوم القيامة" (٢) رواه عبد الله بن الإمام أحمد وله شواهد من وجوه أخر، وقد ذكرناها عند قوله: ﴿وَنَضَعُ (٣) الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا﴾ [الأنبياء: ٤٧] وعند قوله تعالى: ﴿إِلا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾ [الأنعام: ٣٨]
يقول تعالى منبهًا بني آدم على عداوة إبليس لهم ولأبيهم من قبلهم، ومقرعًا لمن اتبعه منهم وخالف خالقه ومولاه، الذي أنشأه وابتداه، وبألطاف رزقه غداه، ثم بعد هذا كله والى إبليس وعادى الله، فقال تعالى:(وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ) أي: لجميع الملائكة، كما تقدم تقريره في أول سورة "البقرة" (٤).
وقوله (فَسَجَدُوا إِلا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ) أي: خانه أصله؛ فإنه خلق من مارج من نار، وأصل خلق الملائكة من نور، كما ثبت في صحيح مسلم عن عائشة، عن رسول الله ﷺ، أنه قال: "خُلِقت الملائكة من نور، وخُلق إبليس من مارج من نار، خُلق (٥) آدم مما وصف لكم" (٦). فعند الحاجة نضح (٧) كل وعاء بما فيه، وخانه الطبع عند الحاجة، وذلك أنه كان قد تَوَسَّم بأفعال الملائكة وتشبه بهم، وتعبد وتنسك، فلهذا دخل في خطابهم، وعصى بالمخالفة.
ونبه تعالى هاهنا على أنه (مِنَ الْجِنِّ) أي: إنه خُلِق من نار، كما قال: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ [الأعراف: ١٢، وص: ٧٦]
قال الحسن البصري: ما كان إبليس من الملائكة طرفة عين قَط، وإنه لأصل الجن، كما أن آدم، ﵇، أصل البشر. رواه ابن جرير بإسناد صحيح [عنه](٨)(٩).
(١) المسند (٣/ ٤٩٥). (٢) روائد المسند (١/ ١٢). (٣) في ت: "ويضع". (٤) عند تفسير الآية: ٣٤. (٥) في ت، ف، ومسلم: "وخلق". (٦) صحيح مسلم برقم (٢٩٩٦). (٧) في أ: "نضح لكم". (٨) زيادة من ف، أ. (٩) تفسير الطبري (١٥/ ١٧٠).