يذكر تعالى نعمته وفضله العظيم على عبده ورسوله الكريم، فيما أوحاه إليه من القرآن المجيد، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، تنزيل من حكيم حميد.
قال ابن مسعود،﵁: يطرق الناس ريح حمراء -يعني في آخر الزمان -من قبل الشام، فلا يبقى في مصحف رجل ولا في قلبه آية، ثم قرأ ابن مسعود:(وَلَئِنْ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ) الآية.
ثم نبه تعالى على شرف هذا القرآن العظيم، فأخبر أنه لو اجتمعت الإنس والجن كلهم، واتفقوا (١) على أن يأتوا بمثل ما أنزله على رسوله، لما أطاقوا ذلك ولما استطاعوه، ولو تعاونوا وتساعدوا وتظافروا، فإن هذا أمر لا يستطاع، وكيف يشبه كلام المخلوقين (٢) كلام الخالق، الذي لا نظير له، ولا مثال له، ولا عديل له؟!
وقد روى محمد بن إسحاق عن محمد بن أبي محمد، عن سعيد [بن جبير](٣) أو عكرمة، عن ابن عباس: أن هذه الآية نزلت في نفر من اليهود، جاءوا رسول الله ﷺ فقالوا له: إنا نأتيك بمثل ما جئتنا به، فأنزل الله هذه الآية.
وفي هذا نظر؛ لأن هذه السورة مكية، وسياقها كله مع قريش، واليهود إنما اجتمعوا به في المدينة. فالله أعلم.
وقوله:(وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ) أي: بينا لهم الحجج والبراهين القاطعة، ووضحنا لهم الحق وشرحناه وبسطناه، ومع هذا (فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلا كُفُورًا) أي: جحودًا وردًا للصواب.