لما ذكر تعالى أنه إنما حرم علينا الميتة (١) والدم ولحم الخنزير، وما أهل لغير الله به، وأنه (٢) أرخص فيه عند الضرورة -وفي ذلك توسعة لهذه الأمة، التي يريد الله بها اليسر ولا يريد بها العسر -ذكر ﷾ ما كان حَرَّمه على اليهود في شريعتهم قبل أن ينسخها، وما كانوا فيه من الآصار والأغلال والحرج والتضييق، فقال:(وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا مَا قَصَصْنَا عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ) يعني: في "سورة الأنعام" في قوله: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾ [الأنعام: ١٤٦](٣)؛ ولهذا قال هاهنا:(وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ) أي: فيما ضيقنا عليهم، (وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ) أي: فاستحقوا ذلك، كما قال: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا﴾ [النساء: ١٦٠].
ثم أخبر تعالى تكرمًا وامتنانًا في حق العصاة المؤمنين: أن من تاب منهم إليه تاب عليه، فقال:(ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهَالَةٍ) قال بعض السلف: كل من عصى الله فهو جاهل.
(ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا) أي: أقلعوا عما كانوا فيه من المعاصي، وأقبلوا على فعل الطاعات، (إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا) أي: تلك الفعلة والذلة (لَغَفُورٌ رَحِيمٌ)