وحكمهم على رقاب العباد، فصاروا أمراء حكاما، وكل منهم للمتقين إماما، وأخبر أن ثوابه للمهاجرين في الدار الآخرة أعظم مما أعطاهم في الدنيا، فقال:(وَلأجْرُ الآخِرَةِ أَكْبَرُ) أي: مما أعطيناهم في الدنيا (لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ) أي: لو كان المتخلفون عن الهجرة معهم يعلمون ما ادخر الله لمن أطاعه واتبع رسوله؛ ولهذا قال هُشَيْم، عن العوام، عمن حدثه؛ أن عمر بن الخطاب، ﵁، كان إذا أعطى الرجل من المهاجرين عطاءه (١) يقول: خذ بارك الله لك فيه، هذا ما وعدك الله في الدنيا، وما ادخر (٢) لك في الآخرة أفضل، ثم قرأ (٣) هذه الآية: (لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَلأجْرُ الآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ)(٤).
ثم وصفهم تعالى فقال:(الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ) أي: صبروا على أقل (٥) من آذاهم من قومهم، متوكلين على الله الذي أحسن لهم العاقبة في الدنيا والآخرة.
قال الضحاك، عن ابن عباس: لما بعث الله محمدًا ﷺ رسولا أنكرت العرب ذلك، أو من أنكر منهم، وقالوا: الله أعظم من أن يكون رسوله بشرا. فأنزل الله: ﴿أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ﴾ [يونس: ٢]، وقال (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلا رِجَالا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ) يعني: أهل الكتب الماضية: أبشر كانت الرسل التي أتتكم (٦) أم ملائكة؟ فإن كانوا ملائكة أنكرتم، وإن كانوا بشرا فلا تنكروا أن يكون محمد ﷺ رسولا؟ [و](٧) قال تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا يُوحِي (٨) إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى) ليسوا من أهل السماء كما قلتم.
وهكذا روي عن مجاهد، عن ابن عباس، أن المراد بأهل الذكر: أهل الكتاب. وقاله مجاهد، والأعمش.
وقول عبد الرحمن بن زيد -الذكر: القرآن واستشهد بقوله: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩]-صحيح، [و](٩) لكن ليس هو المراد هاهنا؛ لأن المخالف لا يرجع في إثباته بعد إنكاره إليه.
وكذا قول أبي جعفر الباقر:"نحن أهل الذكر" -ومراده أن هذه الأمة أهل الذكر-صحيح، فإن هذه الأمة أعلم من جميع الأمم السالفة، وعلماء أهل بيت الرسول، عليهم (١٠) السلام والرحمة، من
(١) في أ: "عطاء". (٢) في ف: "وما دخره". (٣) في أ: "يقرأ". (٤) رواه الطبري في تفسيره (١٤/ ٧٤). (٥) في ت، ف، أ: "أذى". (٦) في هـ، ت، أ: "إليهم" والمثبت من الطبري. مستفاد من حاشية الشعب. (٧) زيادة من ت، ف، أ. (٨) في ف، أ: "نوحي". (٩) زيادة من ف، أ. (١٠) في ت: "عليه".