مصر ينتظر أمر الله فيه، إما أن يرضى عنه أبوه فيأمره بالرجوع إليه، وإما أن يأخذ أخاه خفية؛ ولهذا قال:(عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ) أي: العليم بحالي، (الْحَكِيمُ) في أفعاله وقضائه وقدره.
(وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ) أي: أعرض عن بنيه وقال متذكرا حُزنَ يوسف القديم الأول: (يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ) جَدَّد له حزنُ الابنين (١) الحزن الدفين.
قال عبد الرزاق، أخبرنا الثوري، عن سفيان العُصْفُريّ، عن سعيد بن جبير أنه قال: لم يعط أحد غيرَ هذه الأمة الاسترجاع، ألا تسمعون إلى قول يعقوب،﵇:(يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ) أي: ساكت لا يشكو أمره إلى مخلوق (٢) قاله قتادة وغيره.
وقال الضحاك:(فَهُوَ كَظِيمٌ) كميد حزين.
قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا حماد بن سلمة [حدثنا أبو موسى]، عن علي بن زيد (٣) عن الحسن، عن الأحنف بن قيس، أن النبي ﷺ قال:"إن داود ﵇، قال: يا رب، إن بني إسرائيل يسألونك بإبراهيم وإسحاق ويعقوب، فاجعلني لهم رابعا. فأوحى الله تعالى إليه أن يا داود، إن إبراهيم ألقي في النار بسببي فصبر، وتلك بلية لم تنلك، وإن إسحاق بذل مهجة (٤) دمه في سببي فصبر، وتلك بلية لم تنلك، وإن يعقوب أخذت منه حبيبه حتى ابيضت عيناه من الحزن، فصبر، وتلك بلية لم تنلك".
وهذا مرسل، وفيه نكارة (٥)؛ فإن الصحيح أن إسماعيل هو الذبيح، ولكن علي بن زيد بن جُدْعَان له مناكير وغرائب كثيرة، والله أعلم.
وأقرب ما في هذا أن يكون قد حكاه الأحنف بن قيس، ﵀، عن بني (٦) إسرائيل ككعب ووهب ونحوهما، والله أعلم، فإن الإسرائيليين ينقلون أن يعقوب كتب إلى يوسف لما احتبس أخاه بسبب السرقة يتلطف له في رده، ويذكر له أنهم أهل بيت مصابون بالبلاء، فإبراهيم ابتلي بالنار، وإسحاق بالذبح، ويعقوب بفراق يوسف، في حديث طويل لا يصح، والله أعلم، فعند ذلك رق له بنوه، وقالوا له على سبيل الرفق به والشفقة عليه:(قَالُوا تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ) أي: لا تفارق تَذَكُّر يوسف، (حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا) أي: ضعيف الجسم، ضعيف القوة، (أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ) يقولون: وإن استمر بك هذا الحال خشينا عليك الهلاك والتلف.
(١) في ت: "الاثنين". (٢) تفسير عبد الرزاق (١/ ٢٨٤) وروى موصولا ولا يصح. (٣) في ت: "يزيد". (٤) في ت: "مهجته" (٥) ورواه ابن أبي شيبة في المصنف (١١/ ٥٥٤) عن عفان، عن حماد بن سلمة به. (٦) في ت: "عن بعض بني".