وقد أرسل هذا الحديث جماعة من السلف: قتادة، وإبراهيم التيمي، وميمون بن مِهْران. ونقل عن الضحاك بن قيس: أنه خطب بهذا للناس، فالله أعلم.
وقوله:(فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً) قال ابن عباس وغيره من السلف: إن بعض بني إسرائيل شكُّوا في موت فرعون، فأمر الله تعالى البحر أن يلقيه بجسده (١) بلا روح، وعليه درعه المعروفة [به](٢) على نجوة (٣) من الأرض وهو المكان المرتفع، ليتحققوا موته وهلاكه؛ ولهذا قال تعالى:(فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ) أي: نرفعك على نَشز (٤) من الأرض، (بِبَدَنِك) قال مجاهد: بجسدك. وقال الحسن: بجسم لا روح فيه. وقال عبد الله بن شداد: سويا صحيحا، أي: لم يتمزق ليتحققوه ويعرفوه. وقال أبو صخر: بدرعك (٥)
وكل هذه الأقوال لا منافاة بينها، كما تقدم، والله أعلم.
وقوله:(لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً) أي: لتكون لبني إسرائيل دليلا على موتك وهلاكك، وأن الله (٦) هو القادر الذي ناصية كل دابة بيده، وأنه لا يقوم لغضبه شيء؛ ولهذا قرأ بعض السلف:" لِتَكُونَ لِمَنْ خَلَقَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ"(٧) أي: لا يتعظون (٨) بها، ولا يعتبرون. وقد كان [إهلاك فرعون وملئه](٩) يوم عاشوراء، كما قال البخاري:
حدثنا محمد بن بشار، حدثنا غُنْدَر، حدثنا شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: قدم النبي ﷺ المدينَة، واليهود تصوم يوم عاشوراء فقالوا: هذا يوم ظهر فيه موسى على فرعون. فقال النبي ﷺ لأصحابه:"أنتم أحق بموسى منهم، فصوموه"(١٠)
يخبر تعالى عما أنعم به على بني إسرائيل من النعم الدينية والدنيوية ف (مُبَوَّأَ صِدْقٍ)(١١) قيل: هو بلاد مصر والشام، مما يلي بيت المقدس ونواحيه، فإن الله تعالى لما أهلك فرعون وجنوده استقرت يد الدولة الموسوية على بلاد مصر بكمالها، كما قال الله تعالى: ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ﴾ [الأعراف: ١٣٧] وقال في الآية الأخرى: ﴿فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ * كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الشعراء: ٥٧ - ٥٩](١٢) ولكن
(١) في ت، أ: "بجسده سويا". (٢) زيادة من ت، أ. (٣) في ت: "نحوه". (٤) في ت: "يرفعك على بشر". (٥) في ت: "تذرعك". (٦) في ت: "وأنه تعالى". (٧) في ت: "الغافلون". (٨) في ت: "يتعضون". (٩) زيادة من ت، أ. (١٠) صحيح البخاري برقم (٤٦٨٠). (١١) في ت: "فالمبوأ". (١٢) في ت، أ: "كم تركوا من جنات وعيون وزروع".