فلم يبت رسول الله ﷺ في بيته تلك الليلة، وأذن الله له عند ذلك بالخروج، وأنزل الله عليه بعد قدومه المدينة "الأنفال" يذكر نعمه (١) عليه وبلاءه عنده: (وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ) وأنزل [الله](٢) في قولهم: "تربصوا به ريب المنون، حتى يهلك كما هلك من كان قبله من الشعراء"، ﴿أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ﴾ [الطور: ٣٠] وكان ذلك اليوم يسمى "يوم الزحمة"(٣) للذي اجتمعوا عليه من الرأي (٤)
وعن السُّدِّيّ نحو هذا السياق، وأنزل الله في إرادتهم إخراجه قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الأرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا وَإِذًا لا يَلْبَثُونَ خِلافَكَ إِلا قَلِيلا﴾ [الإسراء: ٧٦].
وكذا روى العَوْفي، عن ابن عباس. وروي عن مجاهد، وعُرْوة بن الزبير، وموسى بن عُقْبَة، وقتادة، ومِقْسَم، وغير واحد، نحو ذلك.
وقال يونس بن بُكَيْر، عن ابن إسحاق: فأقام رسول الله ﷺ ينتظر أمر الله، حتى إذا اجتمعت قريش فمكرت به، وأرادوا به ما أرادوا، أتاه جبريل، ﵇، فأمره ألا يبيت في مكانه الذي كان يبيت فيه (٥) فدعا رسول الله ﷺ علي بن أبي طالب، فأمره أن يبيت على فراشه وأن يتسجى ببُرد له أخضر، ففعل. ثم خرج رسول الله ﷺ على القوم وهم على بابه، وخَرَج معه بحفنة من تراب، فجعل يذرها على رؤوسهم، وأخذ الله بأبصارهم عن نبيه محمد ﷺ وهو يقرأ: ﴿يس * وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ﴾ إلى قوله: ﴿فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ﴾ [يس: ١ - ٩].
وقال الحافظ أبو بكر البيهقي: وروي عن عكرمة ما يؤكد هذا (٦)
وقد روى [أبو حاتم](٧) ابن حِبَّان في صحيحه، والحاكم في مستدركه، من حديث عبد الله بن عثمان بن خُثَيْم، عن سعيد بن جُبَيْر، عن ابن عباس قال: دخلت فاطمةُ على رسول الله ﷺ وهي تبكي، فقال:"ما يبكيك يا بُنَيَّة؟ " قالت: يا أبت، [و](٨) ما لي لا أبكي، وهؤلاء الملأ من قريش في الحجْر يتعاقدون باللات والعُزَّى ومناة الثالثة الأخرى، لو قد رأوك لقاموا إليك فيقتلوك، وليس منهم إلا من قد عرف نصيبه من دمك. فقال:"يا بنية، ائتني بوَضُوء". فتوضأ رسول الله ﷺ، ثم خرج إلى المسجد. فلما رأوه قالوا: إنما هو ذا (٩) فطأطؤوا رؤوسهم، وسقطت أذقانهم بين أيديهم، فلم يرفعوا أبصارهم. فتناول رسول الله ﷺ قبضة من تراب فحصبهم بها، وقال:"شاهت الوجوه". فما أصاب رجلا منهم حَصَاة من حصياته إلا قُتل يوم بدر كافرا.
ثم قال الحاكم: صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه، ولا أعرف له علة (١٠)
(١) في ك، م: "نعمته". (٢) زيادة من د، ك، أ. (٣) في د، ك، م، أ: "الرحمة". (٤) رواه الطبري في تفسيره (١٣/ ٤٩٤) من طريق ابن إسحاق به. (٥) في د، ك، م: "به". (٦) دلائل النبوة للبيهقي (٢/ ٤٦٩، ٤٧٠). (٧) زيادة من ك، م. (٨) زيادة من د. (٩) في د، ك، م: "ها هو ذا". (١٠) صحيح ابن حبان برقم (١٦٩١) "موارد" والمستدرك (٣/ ١٥٧).