أي: عن سماع الحق (البكم) عن فهمه؛ ولهذا قال:(الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ) فهؤلاء شر البرية؛ لأن كل دابة مما سواهم مطيعة لله [﷿](١) فيما خلقها له، وهؤلاء خلقوا للعبادة فكفروا؛ ولهذا شبههم بالأنعام في قوله: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لا يَسْمَعُ إِلا دُعَاءً وَنِدَاءً [صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ]﴾ [البقرة: ١٧١]. (٢) وقال في الآية الأخرى: ﴿أُولَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ [الأعراف: ١٧٩].
وقيل:(٣) المراد بهؤلاء المذكورين نَفَرٌ من بني عبد الدار من قريش. روي عن ابن عباس ومجاهد، واختاره ابن جرير، وقال محمد بن إسحاق: هم المنافقون.
قلت: ولا منافاة بين المشركين والمنافقين في هذا؛ لأن كلا منهم مسلوب الفهم الصحيح، والقصد إلى العمل الصالح.
ثم أخبر تعالى بأنهم لا فهم لهم صحيح، ولا قصد لهم صحيح، لو فرض أن لهم فهما، فقال:(وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لأسْمَعَهُمْ) أي: لأفهمهم، وتقدير الكلام: ولكن لا خير فيهم فلم يفهمهم؛ لأنه يعلم أنه (وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ) أي: أفهمهم (لَتَوَلَّوْا) عن ذلك قصدا وعنادا بعد فهمهم ذلك، (وَهُمْ مُعْرِضُونَ) عنه.
قال البخاري:(اسْتَجِيبُوا) أجيبوا، (لِمَا يُحْيِيكُمْ) لما يصلحكم. حدثنا إسحاق، حدثنا روح، حدثنا شعبة، عن خبيب (٤) بن عبد الرحمن قال: سمعت حفص بن عاصم يحدث عن أبي سعيد بن المعلى قال: كنت أصلي، فمر بي رسول الله ﷺ، فدعاني فلم آته حتى صليت، ثم أتيته فقال:"ما منعك أن تأتيني؟ " ألم يقل الله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ) ثم قال: "لأعلمنك أعظم سورة في القرآن قبل أن أخرج"، فذهب رسول الله ﷺ ليخرج، فذكرت له -وقال معاذ: حدثنا شعبة، عن خُبَيْب (٥) بن عبد الرحمن، سمع حفص بن عاصم، سمع أبا سعيد رجلا من أصحاب النبي ﷺ بهذا -وقال:" هي ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ السبع المثاني"(٦)
هذا لفظه بحروفه، وقد تقدم الكلام على هذا الحديث بذكر طرقه في أول تفسير الفاتحة.
وقال مجاهد في قوله:(لِمَا يُحْيِيكُمْ) قال: الحق.
(١) زيادة من م. (٢) زيادة من ك، م، أ، وفي هـ: "الآية". (٣) في د، م: "ثم قيل". (٤) في أ: "حبيب". (٥) في أ: "حبيب". (٦) صحيح البخاري برقم (٤٦٤٧).